البنك المركزي ضخ 43 تريليون دينار.. إلى متى يستطيع العراق تمويل الرواتب؟
متابعة/المدى
تمكن العراق، خلال الأشهر الأربعة الماضية، من الإيفاء بالتزاماته المالية، وفي مقدمتها صرف رواتب الموظفين البالغة نحو 7 تريليونات دينار شهريا، بما يشمل رواتب موظفي إقليم كردستان، رغم التراجع الحاد في الإيرادات النفطية واتساع الفجوة بين دخل الدولة ونفقاتها.
وخفف استئناف جزء من تدفقات النفط عبر الآلية التي تعتمدها شركة «سومو» جانبا من هذه الفجوة، إلا أن العامل الحاسم في استمرار الإنفاق الحكومي تمثل في تدخل البنك المركزي العراقي، الذي ضخ نحو 43 تريليون دينار في السوق عبر زيادة الكتلة النقدية وتقليص جزء من احتياطياته المتراكمة خلال السنوات الماضية.
وتشير بيانات وزارة النفط وشركة «سومو» إلى تراجع الإيرادات النفطية خلال شهري أيار وحزيران 2026 إلى مستويات غير مسبوقة، إذ بلغ إجمالي العائدات خلال 61 يوما نحو 2.33 مليار دولار فقط، فيما حقق العراق خلال شهر شباط وحده، الممتد 28 يوما، إيرادات بلغت 6.8 مليارات دولار.
وتعود نسبة تتراوح بين 17 و24% من الإيرادات المعلنة إلى مستحقات الشركات الأجنبية العاملة في القطاع النفطي، ما يعني أن المبلغ الذي دخل فعليا إلى الخزينة العراقية خلال الشهرين الماضيين لا يتجاوز نحو 2.5 تريليون دينار، مقابل نفقات شهرية تزيد بنحو سبعة أضعاف هذا الرقم.
ومع اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، برزت توقعات واسعة بعدم قدرة الحكومة العراقية على تمويل الرواتب والنفقات التشغيلية، بسبب تراجع الصادرات النفطية. إلا أن الحكومة شرعت بالفعل في توزيع رواتب شهر تموز 2026، ما أثار تساؤلات بشأن مصادر التمويل والآليات التي مكنتها من مواصلة الإنفاق.
وتتركز أبرز التساؤلات حول كيفية استمرار العراق في الإنفاق رغم تراجع الإيرادات، وأسباب ارتفاع قيمة الدينار أمام الدولار على الرغم من ضخ كميات إضافية من العملة المحلية، والفترة التي يمكن خلالها الاعتماد على الاحتياطيات الأجنبية، وحدود قدرة البنك المركزي على مواصلة طباعة النقود.
وتوضح بيانات وزارة المالية أن حجم الإنفاق الحكومي خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026 بلغ 46.69 تريليون دينار، فيما يتوقع أن يصل إلى نحو 55.56 تريليون دينار بنهاية النصف الأول من العام، وهو مستوى قريب من إنفاق الفترة نفسها من عام 2025، الذي بلغ 56.7 تريليون دينار.
وفي المقابل، انخفضت الإيرادات بصورة كبيرة. فبعد أن بلغت نحو 62 تريليون دينار في النصف الأول من عام 2025، منها 57 تريليونا من النفط و5 تريليونات من الإيرادات غير النفطية، تراجعت خلال الفترة نفسها من عام 2026 إلى نحو 35.56 تريليون دينار، أي ما يقارب نصف إيرادات العام السابق.
ويعود استمرار الحكومة في تمويل نفقاتها إلى عوامل عدة مجتمعة، أبرزها السحب من الاحتياطيات الأجنبية، وزيادة الكتلة النقدية عبر طباعة عملة جديدة، إلى جانب تقليص بعض النفقات التشغيلية والاستثمارية، فضلا عن إجراءات استرداد الأموال العامة المرتبطة بملفات الفساد، كما ظهر في «عملية الفجر» وقضية وكيل وزارة النفط السابق لشؤون التصفية، عدنان الجميلي.
أما ارتفاع قيمة الدينار رغم زيادة المعروض النقدي، فيرتبط بطبيعة سوق الصرف العراقية، التي لا تعمل وفق الآليات التقليدية المعتمدة في أسواق العملات العالمية. فالبنك المركزي لا يزال الجهة الأساسية المتحكمة بسعر الصرف، فيما تؤدي حركة كبار التجار وأصحاب رؤوس الأموال دورا مؤثرا في السوق، يفوق تأثير العرض والطلب وحدهما.
وبحسب بيانات البنك المركزي، ارتفع حجم العملة المطبوعة من 99.79 تريليون دينار في نهاية عام 2025 إلى 113.56 تريليون دينار حتى نهاية أيار 2026، بزيادة بلغت نحو 13.7 تريليون دينار خلال خمسة أشهر. ومع ذلك، انخفض سعر صرف الدولار من أكثر من 157 ألف دينار لكل 100 دولار إلى نحو 149.5 ألف دينار.
وتكشف بيانات البنك المركزي أيضا أن الولايات المتحدة لم ترسل أي شحنة نقدية من الدولار إلى العراق خلال الأشهر الأولى من العام، قبل أن ترسل شحنة واحدة بقيمة 500 مليون دولار، ما أدى إلى ارتفاع حجم النقد الأجنبي المتوافر لدى البنك، بعد أن كان قد انخفض إلى مستويات متدنية.
وفي ما يتعلق بالاحتياطي الأجنبي، شهد العراق خلال العقدين الماضيين تقلبات مرتبطة بالأزمات الأمنية والاقتصادية. وبعد أن وصل الاحتياطي إلى نحو 150 تريليون دينار مطلع عام 2023، تراجع إلى 102.5 تريليون دينار في 16 تموز 2026، بانخفاض يقارب 29.4 تريليون دينار خلال أقل من ستة أشهر.
وتشير هذه الأرقام إلى أن استمرار السحب من الاحتياطي بالمعدلات الحالية قد يتيح تمويل الإنفاق الحكومي لفترة محدودة لا تتجاوز عدة أشهر، إذ لا يمكن استنزافه بالكامل من دون تعريض الاستقرار المالي والنقدي لمخاطر كبيرة. كما يتكون جزء مهم من الاحتياطي من الذهب والسندات الأجنبية، وقد تأثرت قيمتهما أيضا بتقلبات الأسواق العالمية.
وفي المقابل، تحمل مواصلة زيادة الكتلة النقدية من دون نمو مواز في الإنتاج المحلي مخاطر تضخمية واضحة. فقد ارتفع معدل التضخم من 0.4% في نيسان 2025 إلى 4.7% في نيسان 2026، قبل أن يسجل 3% خلال الشهر الماضي.
ويحذر مختصون من أن استمرار تمويل العجز عبر طباعة النقود قد يدفع التضخم إلى مستويات أعلى، بما يرافق ذلك من تراجع في القوة الشرائية، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وتباطؤ النمو الاقتصادي.
The post البنك المركزي ضخ 43 تريليون دينار.. إلى متى يستطيع العراق تمويل الرواتب؟ appeared first on جريدة المدى.