شبكة الحسكة الإعلامية

(المدى) تروي “ليلة الرد المؤجل” على الرياض.. وكيف اختبرت بغداد قدرتها على قول “لا” للفصائل

نشر: أغسطس 8, 2026 آخر تحديث: أغسطس 8, 2026

بغداد/ تميم الحسن

أوقفت طهران، على ما يبدو، هجوماً كان وشيكاً للفصائل العراقية على السعودية، في رد كان يمكن أن يشبه إلى حد كبير الضربات الإيرانية التي استهدفت مواقع عسكرية في الخليج.
وتروي ثلاثة مصادر متقاطعة لـ(المدى) تفاصيل ما حدث في ما تسميه “ليلة الاختبار”، وهي ليلة الجمعة الأخيرة، حين تراجعت الفصائل عن رد كان متوقعاً على السعودية، بالتزامن مع تحركات سياسية وأمنية مكثفة، ومحاولة لتأجيل صدام الحكومة مع الجماعات المسلحة إلى وقت آخر.
العامري يظهر في اللحظة الحاسمة
قبل ساعات من الموعد المفترض للرد، ظهر هادي العامري، زعيم منظمة بدر، بصورة غير مألوفة، ونشر مقطعاً مصوراً طلب فيه من “المقاومة العراقية” وقف الرد على السعودية.
كان ذلك الظهور بمثابة إشارة سياسية واضحة إلى أن قراراً ما يجري اتخاذه خلف الكواليس. وبعد ساعات، استجابت الفصائل للطلب، وأعلنت تأجيل الرد.
وقبل ذلك بساعات قليلة، كان رئيس الوزراء علي الزيدي قد التقى خالد الحميدان، رئيس الاستخبارات العامة السعودية، الذي وصل إلى بغداد على رأس وفد أمني، في لقاء حمل رسائل تتجاوز التنسيق الأمني المعتاد.
وطلب الحميدان من الزيدي زيارة الرياض، وهي زيارة كانت قد تأجلت بسبب التطورات التي شهدها الأسبوع الأخير.
ويقول مصدر قريب من الفصائل إن موعد الرد كان قد تأجل منذ أسبوع، وإن الجمعة الأخيرة كانت الموعد الذي يُفترض أن ينفذ فيه الهجوم.
لكن “التريث” في الرد، بحسب المصدر، جاء بعد تراجع ترامب عن ما وصفه بـ”ضربة الاستسلام” ضد إيران والعودة إلى مسار المفاوضات.
صواريخ باليستية أم نسخة عراقية من الرد الإيراني؟
كانت معلومات قد وصلت إلى (المدى) عن احتمال استخدام الفصائل “صواريخ باليستية” حصلت عليها من إيران وتخفيها، لكن المصدر نفى ذلك.
ويقول إن الرد، لو حصل، كان يمكن أن يكون على طريقة إيران في الرد على القواعد الأميركية في الخليج، أي ضربة تستهدف مواقع عسكرية من دون أن تكون بالضرورة مميتة.
في المقابل، يقول سياسي في “الإطار التنسيقي” إن إيران ضغطت على الفصائل لمنع الرد، بسبب مواقف الأخيرة التي أسهمت، بحسب روايته، في منع ترامب من تسديد ضربة قوية إلى طهران.
وأعلنت ما يسمى بـ”المقاومة الإسلامية في العراق”، الجمعة، تأجيل الرد الذي كان مقرراً تنفيذه في اليوم نفسه ضد السعودية، وذلك تلبية لنداء هادي العامري، وفق بيان صدر عن المجموعة.
ووجهت “المقاومة” اتهامات مبطنة في البيان ضد من وصفتهم بأن “أعماهم الكرسي عن صون الدماء والسيادة المنتهكة”، ودعتهم إلى مراجعة مواقفهم.
وأضاف البيان أن “السيادة لن تُسترد بالبيانات الخجولة، بل بقبضات الأوفياء الذين لا يساومون على حرمة الأرض ولا كرامة الشهداء”.
وانتهى البيان بالتأكيد على استمرارها في التمسك بمواقفها، مشيرة إلى أن قرار التأجيل جاء ضمن سياق الاستجابة للدعوات والمواقف التي طرحت بشأن هذا الملف.
وعلق الأمين العام لكتائب سيد الشهداء، أبو آلاء الولائي، أمس، على موقف “المقاومة الإسلامية” بشأن التريث بالرد على الهجمات السعودية الأميركية الأخيرة.
وقال إن القرار جاء بطلب من قادة “الإطار التنسيقي”، وفي مقدمتهم هادي العامري، إلى جانب بعض السياسيين المستقلين.
وأكد الولائي، في الوقت ذاته، أن خيار الرد وإعادة النظر في توقيتاته وحجمه ونوعه لا يزال قائماً، ودعا المعنيين إلى استثمار هذه المهلة لاستعادة حقوق العراق.
وكان هادي العامري، رئيس منظمة بدر، قد دعا الجمعة “المقاومة الإسلامية في العراق” إلى تأجيل الرد العسكري على الهجوم السعودي-الأميركي، الذي استهدف مقرات للحشد الشعبي وأسفر عن سقوط أكثر من 50 قتيلاً وجريحاً من منتسبيه، إلى جانب عدد من المستشارين الإيرانيين.
وتعهد العامري في مقطع مصور نادر، إلى “جميع المجاهدين بأننا سنتابع جميع حقوق الشهداء والجرحى بالطرق الدبلوماسية”.
لكن المصدر القريب من الفصائل يصر على أن “المقاومة لم تلغِ الرد وإنما قامت بتأجيله فقط”.
“شيطنة” الحشد!
وينقل المصدر عن قيادات في الفصائل انتقادها حملة “الشيطنة” التي جرت في الساعات الأخيرة التي سبقت موعد الرد على السعودية.
ويعتبر مهدي تقي، عضو لجنة الأمن في البرلمان، وكان زعيماً لفصيل في صلاح الدين، أن ما يجري من تصعيد إعلامي هو “لزج الحشد الشعبي” في الحرب.
وينفي تقي وجود مسيّرات أو صواريخ لدى مقرات الحشد الشعبي التي تتعرض لهجمات، باستثناء أسلحة متوسطة وعتاد متوسط.
ودعا الحكومة إلى زيارة تلك المقرات، وعقد جلسة في البرلمان، بعد توقيع 120 نائباً لجلسة طارئة لتدارس “العدوان السعودي”، وإقرار قانون الحشد الشعبي.
ويقول المصدر إن نشر أخبار ومعلومات عن قيام السلطات بملاحقة أطراف في الحشد، وتصويرها بوصفها “متمردة على الحكومة”، هو “إصدار حكم مسبق بأنها متورطة بمهاجمة دول الجوار”.
ويضيف أن تداول أنباء عن اعتقال فالح الفياض، رئيس هيئة الحشد الشعبي، بعد اتهامات بـ”التباطؤ” في حماية 6 مقرات للحشد تعرضت للقصف السعودي الأسبوع الماضي، رغم إبلاغه مسبقاً بالهجوم، يمثل، بحسب رأيه، جزءاً من حملة تستهدف كسر معنويات الحشد.
رسالة سعودية إلى بغداد قبل ساعات من التراجع
وقبل ساعات من تراجع “المقاومة”، بحث رئيس الوزراء علي الزيدي مع رئيس الاستخبارات السعودية خالد الحميدان في بغداد تعزيز التنسيق الأمني، فيما نقل الأخير رسالة من القيادة السعودية جددت دعوة الزيدي لزيارة الرياض.
وأكد الزيدي، وفق بيان حكومي، حرص بغداد على تطوير التعاون مع السعودية وحماية سيادة العراق، وعدم السماح باستخدام أراضيه للإضرار بأي دولة.
واتفق الجانبان على مواصلة تبادل المعلومات لتجنب التصعيد. وكانت السعودية قد حذرت من اتخاذ “جميع الإجراءات اللازمة للتعامل مع أي عدوان يستهدفها”.
وتقول الرياض إن العراق منصة للهجمات. ويشير مصدر إلى تقارير استخبارية من السعودية وأميركا تتحدث عن تنسيق بين ميليشيا الحوثي وميليشيات عراقية للإعداد لاعتداءات على المملكة، بإشراف “الحرس الثوري” الإيراني، وفقاً لوكالة “رويترز”.
ونقلت “رويترز” عن المصدر قوله إن “السعودية رصدت نقل طائرات مسيّرة وصواريخ، ما يشير إلى عمليات منسقة من شمال المملكة وجنوبها”.
وسبق أن أوضحت الرياض، في 7 لقاءات خلال الشهرين الأخيرين مع مسؤولين عراقيين، جرت أغلبها في الرياض، أن الهجمات على المملكة تنطلق من العراق.
لكن بغداد، بحسب مصادر تحدثت لـ(المدى)، لم تقتنع، كما أنها قالت إنها لم تتلقَّ دليلاً على ذلك.
استعراض قوة.. أم بروفة للمواجهة؟
ويقول نائب سابق إن بغداد قامت باستعراض للقوة، ربما لم يكن له داعٍ في تلك الساعات التي سبقت موعد الرد، لأن قرار إيقاف الهجمات كان قد اتخذ بالفعل، لكنه كان ضرورياً في المستقبل لـ”اختبار” الطرفين.
ويعتقد أن ذلك قد يعكس صورة لاحقة لصدام قد يحدث بين السلطة والفصائل التي ترفض نزع السلاح.
قدمت بغداد استعراضاً للقوة، لكنه ظهر أكثر في منصات التواصل ومجموعات “واتساب”، حيث لم يظهر بشكل واضح وجود قوات في الشارع.
ومع ذلك، كانت الرسالة السياسية واضحة، وفق النائب: الحكومة لا تريد أن تبدو عاجزة أمام الفصائل، والفصائل لا تريد أن تبدو وقد تخلت عن خيار الرد.
وقبل يوم من موعد الرد، أعلن ائتلاف “إدارة الدولة”، الذي يضم كل القوى المشاركة في الحكومة، موقفاً هو الأكثر تشدداً حتى الآن تجاه الجماعات المسلحة التي ترفض تسليم السلاح.
وأكد الائتلاف في بيان الخميس، أن أي نشاط مسلح بعد انتهاء المهلة الحكومية في 30 أيلول 2026 سيخضع لأحكام قانون مكافحة الإرهاب.
ونشر موقع الإعلام الرسمي قانون مكافحة الإرهاب، فيما قالت الحكومة، يوم الخميس، إن توجيهات صدرت من القائد العام علي الزيدي برفع مستوى الجاهزية الأمنية والاستعداد القتالي للقوات الأمنية والعسكرية.
وفي التوقيت نفسه، عقد رئيس مجلس القضاء فائق زيدان اجتماعين منفصلين مع الفريق عبد الأمير الشمري، مدير مكتب القائد العام للقوات المسلحة، والفريق زيد حوشي، رئيس جهاز مكافحة الإرهاب، من دون أن تُكشف تفاصيل ما دار في اللقاءين.
ويقول النائب السابق إن تزامن هذه التحركات حمل رسالة أقرب إلى “إنذار مبكر”: فالسلاح خارج الدولة لم يعد ملفاً يمكن احتواؤه بالبيانات، لكن الانتقال من الإنذار إلى الإجراء يظل الاختبار الأصعب أمام الحكومة.
في المقابل، استعرضت الفصائل قوتها قبل ذلك. وقال الأمين العام لكتائب حزب الله، أبو حسين الحميداوي، إن “فصائل المقاومة” ترفض تسليم سلاحها، بل وتطويره.
وسبق للحميداوي أن دعا إلى شراء السلاح من الفصائل التي تنوي تسليمه إلى السلطات.

The post (المدى) تروي "ليلة الرد المؤجل" على الرياض.. وكيف اختبرت بغداد قدرتها على قول "لا" للفصائل appeared first on جريدة المدى.