الى كل اعضاء مجلس الشعب الذين استلموا مناصبهم الجديدة كلمة واحدة الملف الاول بين ايديكم جسور دير الزور ومياه الفرات والخابور هل ستفشلون كالسابقين ام تكملون روح الثائر الذي لم يرض الذل والاهانة لارضه وعرضه هل ستدخلون المجلس لتضيفوا اسماءكم الى قوائم الصمت ام لتفتحوا اول معركة حقيقية من اجل الشرق المنسي هذا الملف ليس ورقة خدمات ولا مطلبا محليا ولا مناشدة عابرة هذا امتحان كرامة وامتحان دولة وامتحان رجال
من لا يبدأ من الجسر والماء لن يصل الى الوطن ومن لا يرى دير الزور والحسكة والرقة الا عند النفط والقمح فهو لا يرى الناس بل يرى الغنيمة ومن لا يسمع صرخة القرى العطشى ولا يقرأ ركام الجسور ولا يلمس وجع الفرات والخابور فليقل منذ اليوم انه جاء ليجلس لا ليحمل قضية
حين تنظر دير الزور الى الفرات لا ترى نهرا فقط بل ترى ذاكرة مقطوعة وجسورا معلقة بين الحياة والموت ترى مدينة دفعت ثمن الحرب مرتين مرة حين قصفت ومرة حين تركت بعد القصف تنتظر من يتذكرها وترى محافظة كان يفترض ان تكون قلب الشرق فصارت شاهدا على كيف يمكن ان يصبح الاهمال حربا ثانية لا تقل قسوة عن الحرب الاولى
لم تكن جسور دير الزور اسمنتا وحديدا ولم تكن طرق عبور عادية فوق الماء كانت شرايين محافظة كاملة يعبرها الطالب الى جامعته والمريض الى مشفاه والمزارع الى ارضه والتاجر الى سوقه والام الى بيت ابنها وحين سقطت هذه الجسور لم يسقط حجر فقط بل سقط حق الناس في الطريق وفي الوقت وفي الامان وفي الشعور انهم داخل وطن واحد لا جزر محاصرة على ضفتي نهر واحد
الجسر المعلق لم يكن جسرا فقط كان وجه دير الزور وصورتها في الذاكرة كان يقول ان المدينة تقف على الفرات لا تحته ثم صار ركاما وجرحا مفتوحا لا يسأل عنه الا اهله ولحق به جسر السياسية وكنامات وجسور اخرى كانت تصل المدينة بريفها وتفتح الطريق بين الحسكة ودير الزور وبين الشرق ودمشق وبين الميادين والبوكمال وبقية البلاد وحين انقطعت صار الفرات حاجزا وصارت المسافة القصيرة رحلة اذلال
قالوا في الحرب ان الجسور اهداف عسكرية لانها تقطع حركة الخصم لكن من قال ان الطفل خصم ومن قال ان المريض خصم ومن قال ان الفلاح الذي يحمل محصوله خصم الحرب قد تجد عذرا باردا لتفجير جسر في لحظة قتال لكنها لا تملك عذرا واحدا لتركه مهدما بعد كل هذه السنوات هنا لا نتحدث عن آثار حرب بل عن فضيحة ادارة وعن دولة ترى بعض الطرق بسرعة وتترك طرقا اخرى تنزف في الصمت
بعد المعارك ولد على ضفاف الخراب اقتصاد اسود ظهر القارب والمعبر والطراد كحل اضطراري ثم تحول الاضطرار الى سوق وتحولت المعاناة الى دخل وتحول غياب الجسر الى مصلحة هناك من عاش على عبور الناس وهناك من استفاد من بقاء الطريق مكسورا وهناك من لا يريد للجسر ان يعود لان عودته تعني نهاية ارباح نشأت فوق وجع الناس لا احد يهاجم الفقير الذي عمل ليطعم اولاده لكن من حق الناس ان تسأل من يربح من استمرار الخراب ومن يخاف من عودة الجسر
هنا يصبح السؤال موجها مباشرة الى اعضاء مجلس الشعب الجدد لا تختبئوا خلف اللجان ولا خلف العبارات الباردة ولا خلف سوف نتابع وسوف ندرس الملف واضح دير الزور تحتاج جسورها والحسكة تحتاج ماءها والرقة تحتاج دورها الزراعي والخابور يحتاج من يعيده الى الحياة والناس تحتاج موقفا لا صورة تذكارية وبيانا منسوخا
المفارقة التي تحرق الصدر ان الحكومة اصلحت جسر الرستن وبدأت اعمالا في مناطق اخرى وهذا حق لتلك المناطق ولا اعتراض عليه لكن العدل لا يكون انتقائيا اذا كان الجسر هناك شريانا فهو في دير الزور شريان ايضا واذا كانت عودة الطريق هناك واجبا فهي في الشرق واجب مضاعف لان الشرق اعطى البلاد النفط والقمح والماء والارض ثم وجد نفسه في آخر طابور الخدمات
حين وصل الجيش السوري الى الشرق لم تصل معه خطة انقاذ تليق بحجم الكارثة وصل كثيرون الى حقول النفط قبل ان يصلوا الى بيوت الناس وخرجت كاميرات تصور الابار والمضخات والحقول كأن المنطقة الشرقية مجرد خزان ثروة لا ارض بشر لم يصوروا البلوكة المقصوفة ولا الجسر المهدوم ولا القرية العطشى ولا المدرسة التي اكلتها الحرب كأن الشرق لا يستحق ان يظهر الا عندما يلمع النفط تحت قدميه
لكن جرح الشرق ليس الجسور وحدها هناك جرح اخطر اسمه الماء الجزيرة الفراتية لم تحاصرها الحرب فقط بل حاصرها العطش ايضا تركيا خفضت مياه الفرات سنوات طويلة وتركت الناس امام نهر يضعف وارض تجف وحقول تموت وقرى تهاجر لم يكن الامر نقصا عابرا في منسوب ماء بل ضغطا على حياة كاملة على الشرب والزراعة والكهرباء والماشية والخبز والاستقرار حين تقطع الماء عن الناس فأنت لا تضغط على حكومة فقط بل تضغط على طفل وفلاح وامرأة وقرية بكاملها
ثم يفتح الماء حين تريد السياسة ويحبس حين تريد المصلحة فيصير السؤال اكثر قسوة هل اطلاق المياه بعد سنوات من التضييق انقاذ ام ادارة للعطش هل ترك الناس بين الجفاف والخوف من الفيضان عمل انساني ام شكل اخر من التحكم بمصير الشعوب الماء ليس ورقة تفاوض الماء حياة ومن يستخدم الحياة للضغط على المدنيين يجب ان يواجه بملف قانوني وسياسي لا ببيانات خجولة ولا بغضب موسمي ينتهي مع نهاية الخبر
واين موقف حكومتنا من كل هذا اين الملف الوطني للمياه اين الضغط الدبلوماسي اين التوثيق اين الخرائط اين الارقام اين الشكوى الدولية اين صوت مجلس الشعب اين جلساته الطارئة اين مساءلته للحكومة اين الوفود والخطط والمذكرات اين القانون حين يموت نهر اين السيادة حين تنتظر قرى كاملة قرارا من خارج الحدود كي تشرب وتزرع
من هنا تولد فكرة الميلة لا كحلم عابر ولا كصرخة غضب بل كمشروع وطني يجب ان يوضع على الطاولة المقصود بالميلة قناة ري او مجرى مائي مستحدث ينطلق من نقطة مناسبة في حلب او الرقة وفق دراسة هندسية دقيقة ليعمل كرافد للخابور ويعيد الحياة الى القرى الممتدة بين الرقة والحسكة ورأس العين وصولا الى الحسكة العطشى هذه ليست رفاهية ولا زينة تنموية بل مشروع بقاء
الميلة تعني ان الخابور لا يبقى نعيما في الذاكرة وجفافا في الواقع تعني ان قرى ماتت ببطء يمكن ان تستيقظ وتعني ان ارضا هجرها اهلها يمكن ان تناديهم من جديد تعني ان الزراعة تنهض والثروة الحيوانية تتنفس والهجرة تتراجع والاقتصاد الوطني يستعيد واحدا من اهم خزاناته الحقيقية وتعني قبل كل شيء ان الشرق ليس قدرا منسيا بل مجالا لصناعة الحياة من جديد
نعم المشروع يحتاج الى دراسة للمناسيب والكلفة والطاقة والتبخر والملوحة والاثر البيئي ومسار القناة وحقوق المياه وحماية المشروع من الفساد والتعديات لكنه يحتاج قبل كل ذلك الى ارادة سياسية والى نواب لا يخافون من رفع الصوت والى حكومة تفهم ان الماء امن وطني لا خدمة بلدية وان الجسر كرامة يومية لا كتلة خرسانية
الجسر يعيد الانسان الى الانسان والماء يعيد الانسان الى الارض ومن دون الجسر والماء لا معنى لاي كلام عن التعافي دير الزور تحتاج جسورها والحسكة تحتاج ماءها والرقة تحتاج دورها الزراعي والجزيرة كلها تحتاج خطة حياة لا صورا ولا زيارات ولا وعودا معلقة
المشكلة ليست ان الحرب دمرت الجسور بل ان ما بعد الحرب تركها مدمرة والمشكلة ليست ان الماء نقص بل ان العطش صار سياسة صامتة والمشكلة ليست ان الشرق غني بل ان غناه صار لعنة عليه كلما احتاجت البلاد الى النفط تذكروه وكلما احتاج الناس الى جسر او ماء او مدرسة او مشفى نسوه
هذه ليست مقالة بكاء على ركام بل لائحة اتهام لكل من جعل الطريق مكسورا والماء مشروطا والانسان مؤجلا اذا كانت الحرب قد توقفت فلماذا ما زالت جسور دير الزور تعيش زمن الحرب واذا كان الفرات ما زال يجري فلماذا تموت قرى الخابور عطشا واذا كانت الدولة ترى حقول النفط بهذه الدقة فلماذا لا ترى الانسان الواقف فوقها
يا اعضاء مجلس الشعب الجدد هذا هو الملف الاول بين ايديكم لا تختاروا الصمت من البداية ولا تبدأوا عهدكم بتكرار فشل من سبقكم ارفعوا ملف الجسور والماء كقضية وطنية لا كطلب خدمات طالبوا بخطة معلنة وجداول زمنية ومساءلة حكومية ودراسة جدية لمشروع الميلة وملف قانوني حول مياه الفرات والخابور
دير الزور لا تطلب معجزة والحسكة لا تطلب صدقة والرقة لا تطلب امتيازا هذه المحافظات تطلب حقها في الجسر والماء والحياة من يعيد الجسور الى دير الزور ومن يطلق مشروعا حقيقيا لاحياء الخابور ومن يجعل الميلة قناة حياة لا شعارا عابرا لا يعمر الشرق فقط بل يعيد الى سورية قلبها الذي ترك طويلا على حافة النهر ينتظر
والان يبقى السؤال لكم لا للناس هل ستفشلون كالسابقين ام ستكملون روح الثائر الذي لم يرض الذل والاهانة لارضه وعرضه