شخصية الأمير الوالد تستحق أن تُدرَّس للأجيال
الدوحة – إبراهيم صلاح:قالَ سعادةُ السيد عبدالله بن خليفة العطية، رئيس مجلس أمناء دار الوثائق القطرية، إن معرفته بالمغفور له بإذن الله تعالى صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني تمتدُّ لما يقارب 65 عامًا، واصفًا إياها بأنها رحلة طويلة بدأت منذ الطفولة واستمرت عبر مُختلف مراحل حياته.وأوضح العطية – خلال استضافته في تلفزيون قطر – أنَّ علاقته بالأمير الوالد بدأت في سن مبكرة، حيث كان رفيقًا لسموه وزميلًا في الدراسة، وكانت العلاقة عائلية أكثر منها علاقة دراسة، إلا أنها أصبحت شبه يومية منذ بداية المرحلة الإعدادية، حيث كانا في الصف نفسه، والمدرسة نفسها، ومع المجموعة ذاتها من الزملاء، ثم تشرف لاحقًا بالعمل معه لسنوات طويلة مديرًا لمكتبه، قبل أن يتولى رئاسة ديوان سموه.وأكد العطية أنَّ جميع الصفات التي عرفها الناسُ عن الأمير الوالد كانت واضحة فيه منذ صغره، مبينًا أنهم كانوا يلمسونها منذ شبابه وحتى وفاته، وفي مقدمتها روح القيادة والإقدام، لافتًا إلى أنها كانت جزءًا أصيلًا من شخصيته وليست صفة اكتسبها لاحقًا.ولفت إلى أنَّ الأمير الوالد كان يتميزُ أيضًا بالثبات على المواقف والتمسك بالمبادئ، وهي صفات لازمته منذ صغره وحتى توليه مسؤولية الحُكم، ثم حتى وفاته، موضحًا أنه عندما كان يقتنع بموقف فإنه يتمسك به مهما واجه من صعوبات أو تحديات، مؤكدًا أن همَّه الأول والأخير كان قطر وأهل قطر.وأضاف أنَّ الأمير الوالد كان يضعُ مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، حتى على حساب صحته ووقته، وكان يشعرُ دائمًا بأن لديه رسالة يجب إنجازها.وروى العطية موقفًا ظل عالقًا في ذاكرته، إذ دخل على الأمير الوالد في أحد الأيام بمكتبه لعرض بعض الموضوعات، فوجده يحمل ورقة وقلمَ رصاص، وقد كتب عليها أربع كلمات فقط هي: «الغاز، التعليم، الصحة، الرياضة».أربع كلماتوقال إنه سأله عن معنى هذه الكلمات، خاصة أنه كان يعلم أن التعليم يأتي في مقدمة أولويات الأمير الوالد منذ أن كان وليًا للعهد، فأجابه بأن جميع هذه القطاعات تعتمد في الأساس على الغاز، موضحًا أن تطوير التعليم والصحة والرياضة يحتاج أولًا إلى توفير الموارد المالية التي سيُحققها استثمار الغاز.ولفت إلى أنَّ التفكير في استثمار الغاز بدأ منذ وقت مُبكر، إلا أن التحدي آنذاك تمثل في أن سوق الغاز لم يكن يحظى بالاهتمام الذي يحظى به سوق النفط، ولم تكن هناك شركات أو جهات راغبة في الاستثمار فيه، الأمر الذي جعل المشروع يمثل تحديًا كبيرًا.وأضاف أنَّ الأمير الوالد تمكن بعد فترة من تجاوز هذه الصعوبات، وأن الموارد المالية التي وفرتها استثمارات الغاز أصبحت الأساس الذي انطلقت منه مشاريع التنمية في التعليم والصحة والرياضة والثقافة والإعلام وغيرها من القطاعات.وانتقل سعادة السيد عبدالله بن خليفة العطية للحديث عن محطة أخرى، وهي قرار إلغاء وزارة الإعلام، مؤكدًا أنه كان شاهدًا على تلك المرحلة، وأن الأمير الوالد كان يفكر في القرار قبل تنفيذه بنحو عام كامل، حيث ظل يناقشُ الفكرة مع مجموعة محدودة من المقربين منه الذين كان يتشاور معهم في القضايا المهمة.وأوضح أن قرار إلغاء وزارة الإعلام في تلك الفترة لم يكن أمرًا بسيطًا، بل كان تحديًا كبيرًا على مستوى المنطقة العربية، وقال: إن المواطن العربي في تلك المرحلة كان يستقي معلوماته عبر وزارات الإعلام الحكومية، ولذلك فإن إلغاء الوزارة وفتح المجال أمام نموذج إعلامي مُختلف لم يكن مجرد قرار إداري، بل تحولًا كبيرًا في المشهد الإعلامي.طموح مبكروقال سعادة السيد عبدالله بن خليفة العطية: إن المغفور له بإذن الله تعالى صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، منذ سنوات الدراسة الإعدادية، كان يمتلك رؤية واضحة وطموحًا كبيرًا لخدمة قطر، وكان يؤمن بأنه سيصل يومًا إلى موقع يستطيع من خلاله التأثير في مسيرة الوطن وخدمة شعبه.وأوضح أنَّ الأمير الوالد كان يتحدث منذ تلك المرحلة عن مستقبل قطر، وكان يحمل طموحات كبيرة تُجاه تطويرها، لافتًا إلى أنه يتذكر جيدًا تلك المرحلة، حيث كان سموه يتوقع أن يصبح في المستقبل رجلًا مؤثرًا في سياسة قطر، وأن يتولى مسؤولية تمكنه من خدمة الوطن وأهله.وأضاف أنَّ التواضع من أبرز الصفات التي لازمت الأمير الوالد طوال حياته، مؤكدًا أن السلطة والحكم لم يُغيِّرا من شخصيته، بل ظل رجلًا في قمة التواضع مع الجميع، سواء في المجالس أو الأسواق أو الأماكن العامة، وكان يخاطب الناس بعفوية وقرب، فيُسلم على الكبير والصغير مُستخدمًا الألفاظ الشعبية المحببة، وهو ما جعله قريبًا من الناس ومحبوبًا لديهم.وتحدث سعادةُ السيد عبدالله بن خليفة العطية عن وفاء الأمير الوالد لمعلمه أحمد منصور وأنه عندما علم الأمير الوالد بوفاة معلمه، سافر بنفسه إلى مصر لتقديم واجب العزاء، وفاءً وتقديرًا له، مؤكدًا أنَّ هذه المبادرة تعكس أصالة الأمير الوالد وحرصه على رد الجميل لمن أثروا في حياته.كما استذكر موقفًا آخر يجسد وفاء الأمير الوالد، حيث تُوفي أحد زملائهم في الدراسة بمدينة دبي بعد سنوات طويلة من التخرج من الثانوية العامة عام 1968، وعندما علم الأمير الوالد بالخبر طلب التوجه فورًا إلى دبي، حيث رافقه في الرحلة، وتوجه مباشرة إلى منزل الفقيد لتقديم واجب العزاء لأبنائه، وجلس معهم قرابة ساعة يستعيد ذكرياته مع والدهم، ويروي لهم مواقف جمعتهم خلال سنوات الدراسة، رغم مرور أكثر من عشرين عامًا على آخر لقاء بينهم.وأكد أنَّ هذه المواقف الإنسانية كانت تنهي أي رهبة يشعر بها من يلتقي الأمير الوالد لأول مرة، إذ كان يتعامل مع الجميع ببساطة تجعل مَن أمامه يشعر بأنه يجلس مع رجل عادي، وليس أمام حاكم دولة.وعن تعامل الأمير الوالد خارج إطار العمل السياسي والدبلوماسي، قال سعادته إن صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني كان يعامل الجميع بالطريقة نفسها، سواء أفراد العائلة أو الأصدقاء أو العاملين أو عامة الناس، مؤكدًا أن الأمثلة على ذلك كثيرة ولا يمكن حصرها.ولفت العطية إلى أن قطر وأهلها كانوا يمثلون للأمير الوالد القضية الأولى في حياته، موضحًا أن اهتمامه بالوطن كان حاضرًا منذ بداياته، وكان يبذل كل ما يستطيع من جهد من أجل نهضة البلاد، حتى على حساب صحته.وأكد أنَّ الأمير الوالد كان يحرص دائمًا على متابعة كل ما يتعلق بقطر، وكان يتمنى أن يرى أبناء الوطن يعيشون في أفضل الأحوال، وكان يعمل بكل ما أوتي من جهد من أجل رفع مستوى معيشة المواطنين وتحقيق الخير لهم.وأوضحَ أنَّ اهتمامه لم يقتصر على المواطنين فقط، بل شمل أيضًا المقيمين، إلا أن قطر وأهلها ظلوا الأقرب إلى قلبه، وكان يسعى في كل مناسبة إلى الارتقاء بالوطن، وتحقيق الرفاه لشعبه.وقالَ سعادة السيد عبدالله بن خليفة العطية، رئيس مجلس أمناء دار الوثائق القطرية: إنَّ حجم المحبة التي حظي بها الأمير الوالد ظهرَ بوضوح عند وفاته، إذ شعر كل بيت في قطر وكأن أحد أفراده قد رحل، لما كان يتمتع به من مكانة كبيرة ومحبة صادقة في قلوب الناس.وأضافَ: إنَّ الأمير الوالد كان يحب الكبير والصغير، ولا يفرق بين أحد، وكان يتمتع بذاكرة قوية تجاه من عرفهم خلال حياته، مستذكرًا موقفًا كان يحدث كثيرًا في المناسبات العامة، حيث كان يلفت انتباه مرافقيه إلى أشخاص يراهم من بعيد، ويطلب مقابلتهم، ثم يذكر أنهم كانوا زملاء دراسة قبل عشرين أو ثلاثين عامًا، سواء كانوا قطريين أو من الجاليات المقيمة، ويحرص على استدعائهم والجلوس معهم.ولفتَ إلى أن هذه الروح الإنسانية كانت تنعكس أيضًا في برنامج عمله اليومي، موضحًا أنه خلال عمله مديرًا لمكتب الأمير الوالد كانوا يحددون له عددًا من المواعيد الرسمية، إلا أنهم كانوا يتفاجؤون بإضافة أسماء أخرى بناءً على طلبه الشخصي؛ لأنه كان يرغب في لقاء أشخاص لم يرَهم منذ سنوات طويلة.وأوضح أن عدد المواعيد كان يرتفع من أربعة أو خمسة إلى تسعة أو عشرة لقاءات في اليوم، دون أن يبدي الأمير الوالد أي تذمر أو ملل، بل كان يجلس منذ ساعات الصباح وحتى أذان العصر يستقبل الجميع، مؤكدًا أنه كان يتمتع بقدرة كبيرة على العمل، وصبر وجلد استثنائيين في أداء مسؤولياته وخدمة الناس.شخصية تُدرَّسوأكَّدَ سعادةُ السيد عبدالله بن خليفة العطية، أنَّ شخصية صاحب السمو الأمير الوالد الشَّيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، تمثّلُ نموذجًا استثنائيًا يستحقُّ الدراسة، لما جمعته من خصال وإنجازات يصعب أن تجتمع في شخص واحد.وقالَ: إن الأجيال القادمة ينبغي أن تدرس شخصية الأمير الوالد وعهده وإنجازاته، لافتًا إلى أنَّه كان مدرسة في الأخلاق، والتواضع، والحضور السياسي، والإنجاز، وحب الوطن.وأوضحَ أنَّ الأمير الوالد لم يكن إنسانًا عاديًا، كما أن إنجازاته لم تكن إنجازات عادية، بل شكلت صفحة مشرقة في تاريخ دولة قطر، لافتًا إلى أنه كان دائمًا يستحضر سيرة جَدِّه المؤسس الشَّيخ جاسم بن محمد بن ثاني، ويستذكر الأحداث التي ارتبطت بتلك المرحلة التاريخية.وفي حديثه عن وصية الأمير الوالد لأبناء شعبه بالثبات على الحق والاستقامة، قالَ سعادةُ السيد عبدالله بن خليفة العطية: إنَّ هذه الوصية تعبر عن شخصية سُموِّه، إذ كانت تمثل مبدأً آمن به منذ بدايات حياته وظل متمسكًا به طوال مسيرته.واستعادَ جانبًا من ذكريات الدراسة مع الأمير الوالد، لافتًا إلى أن من أجمل الفترات التي كان سُموُّه يحرص على استذكارها حتى أيامه الأخيرة، مرحلة الدراسة الإعدادية والثانوية، وأكَّد سعادتُه أنَّ الأمير الوالد كان يتمتع بذاكرة قوية إلى أبعد الحدود، فلم يكن ينسى حدثًا أو وجهًا أو شخصًا رافقه في أي مرحلة من مراحل حياته، وهو ما أسهمَ في استمرار تواصله مع الناس حتى بعد مرور سنوات طويلة.وروى موقفًا يعكس وفاء الأمير الوالد لرفاقه، قائلًا إنه سأله ذات مرة عن أحد زملاء الدراسة، فأبلغه بأنه توفي منذ سنوات، وأن أبناءه انقطعوا عن التواصل مع الناس بعد وفاته، فما كان من الأمير الوالد إلا أن قال: «لا، لا يجوز هذا، رفيقنا، اسألوا عن عياله»، مؤكدًا أن الأمير الوالد لم يكن ينسى رفاقه مهما طال الزمن.وقالَ سعادةُ السيد عبدالله بن خليفة العطية: إنَّ وفاةَ الأمير الوالد كان مؤلمًا جدًا بالنسبة له، وإنه لم يستوعب خبر وفاته في الأيام الأولى، إذ كان كلما جاء ذكره يقول تلقائيًا: «طويل العمر» أو «الله يطول عمره»، قبل أن يدركَ الحقيقة.وأضاف: إنَّ علاقته بالأمير الوالد امتدت لنحو 65 عامًا، بدأت بالزمالة في الدراسة، ثم استمرت في العمل، وحتى عندما اتجه الأمير الوالد للدراسة العسكرية في بريطانيا، بينما ذهب هو إلى الولايات المتحدة الأمريكية، لم ينقطع التواصل بينهما، بل استمرَّ عبر الرسائل والخطابات، ولا يزال يحتفظ ببعضها حتى اليوم.وأكد أن خسارة الأمير الوالد كانت كبيرة ولا يمكن تعويضها، لافتًا إلى أنه من الصعب نسيان رجل بهذه المكانة، لكنه استدرك قائلًا إن هذه سُنة الحياة، ولا بدّ من تقبُّل أمر الله.وفي ختام حديثه، دعا سعادةُ السيد عبدالله بن خليفة العطية الله أن يغفرَ للأمير الوالد ويتغمده بواسع رحمته ويسكنه فسيح جناته، لافتًا إلى أنَّ صفات التواضع والنخوة وقربه من الناس انتقلت إلى حضرةِ صاحبِ السُّموِّ الشَّيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المُفدَّى، مؤكدًا أنَّ هذه السجايا كانت سببًا في محبّة أهل قطر له، سائلًا الله أن يديمَ على الوطن نعمة الأمن والاستقرار.