عروس الرمال… تنتظر دورها
نزار عثمان السمندل
كل حرب تترك قبورا. أما الحرب السودانية، فتترك الأقسى من ذلك: مدنا تنتظر دورها.
لهذا لا يبدو تحذير المحكمة الجنائية الدولية الأخير بشأن الأُبيّض تحذيرا يخص «عروس الرمال» وحدها، بقدر ما يبدو إنذارا لذاكرة سودانية بدأت تستعيد مساراتها القديمة.
فالمدن لا تتحول فجأة إلى مسارح للفظائع، وإنما بعد أن تفشل المجتمعات في مغادرة الأسباب التي صنعتها. رحلة طويلة يبدأ فيها انهيار السياسة، وتتراجع فيها الدولة، ويصبح السلاح قادرا على احتلال المساحة التي كان يفترض أن تشغلها المؤسسات.
تحذير نائبة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، نزهت شميم خان، أمام مجلس الأمن، بدا أشبه بإنذار متأخر أمام مشهد يعرفه السودان جيدا. قالت إن أخطر الجرائم الدولية قد تكون على وشك الوقوع في الأُبيّض، وإن العالم لن يستطيع هذه المرة الادعاء بأنه لم يكن يعلم. كانت العبارة أقرب إلى اتهام للذاكرة الدولية منها إلى توصيف لواقع ميداني.
الأُبيّض أكثر من مجرد مدينة في شمال كردفان. إنها عقدة تربط جهات السودان بعضها ببعض. وعندما تصبح العقدة ساحة حرب، لا تنقطع الطرق وحدها، تنقطع معها الصلات التي تحفظ تماسك البلاد. لذلك فإن الخطر لا يقاس بعدد المقاتلين حول المدينة، يقاس أيضا بما يعنيه سقوطها في منطق الحرب: انتقال العدوى من جغرافيا إلى أخرى، ومن أزمة إلى أزمة أكبر.
قبل أكثر من عشرين عاما، بدأت دارفور بالطريقة نفسها التي سبقت الإبادة: تآكل السياسة، وتراجع سلطة القانون، وصعود السلاح ليصبح اللغة الوحيدة القادرة على فرض الوقائع. ثم تمدد العنف حتى صار الإنسان نفسه هدفا للحرب، لا ضحية جانبية لها. يومها امتلأت الأرض بالنازحين، وامتلأت الذاكرة السودانية بجراح لم تندمل.
اليوم ترى المحكمة أن العلامات نفسها تعود للظهور. خطاب التحريض يتسع، واستهداف المدنيين يتكرر، والنزوح يعود ليصبح جزءا من الحياة اليومية. ليست المشكلة في تشابه الأحداث، المشكلة في تشابه العناصر التي تنتجها. كأن السودان لا يخرج من حرب، بل ينتقل من نسخة إلى أخرى أكثر حداثة منها.
حين تحدثت شميم خان عن شهادات اللاجئين في شرق تشاد، لم تستحضر الماضي على سبيل التوثيق. كانت تشير إلى أن الجريمة لا تنتهي بانتهاء إطلاق النار. الجريمة تعيش في ذاكرة من نجا منها، وتنتقل مع النازحين حيثما ذهبوا، لتصبح جزءا من مستقبل لم يختره أحد.
إحالة مجلس الأمن ملف دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية عام 2005 كانت اعترافا بأن الدولة فقدت قدرتها على حماية مواطنيها. لكن العدالة الدولية، مهما بلغت قوتها، لا تستطيع إعادة بناء وطن تهدمت قواعده من الداخل. فهي تحاسب الجناة، لكنها لا تمنع وحدها تكرار الظروف التي أنجبتهم.
لهذا يبدو التحذير من الأُبيّض أعمق من اعتباره إنذارا أمنيا. يكاد يكون تحذيراً من أن السودان يقترب مرة أخرى من الحافة ذاتها. فحين تتراجع الدولة، تتقدم الجماعات المسلحة. وحين تغيب السياسة، يصبح المدنيون مادة للصراع. وحين يعتاد العالم مشاهدة الكارثة، تتحول الفظائع إلى أخبار يلوكها الهواء.
تؤكد المحكمة أنها تواصل جمع الأدلة، والاستماع إلى الشهود، وتحديد المسؤولين عن الجرائم المرتكبة في دارفور والفاشر، وأن المساءلة ستطال كل من شارك أو أمر أو دعم. غير أن السؤال المهم ليس إن كانت العدالة ستصل إلى المجرمين، بل إن كانت ستصل قبل أن يولد ضحايا جدد.
مأساة السودان لا تكمن في أن الحرب مستمرة، مأساته أن الحرب أصبحت قادرة في كل مرة على إعادة إنتاج نفسها. فكل مدينة تدخلها لا تترك وراءها أنقاض المباني فقط، تهدم كذلك الثقة التي تجعل الناس يؤمنون بأن الدولة بيت للجميع.
ربما لا تخاف الأُبيّض، الآن، من الذين يحيطون بها بالسلاح، بقدر ما تخاف من أن تصبح اسما جديدا في القائمة القديمة… القائمة التي يكتبها السودان كلما عجز عن الخروج من حربه إلى دولته.
The post عروس الرمال… تنتظر دورها appeared first on سودانايل.