احتكار التمثيل الوطني .. كيف تحوّل اختلاف الألسنة إلى تدافع بالأسنّة؟
دكتور الوليد آدم مادبو
لم تبدأ مأساة السودان يوم دوّت أول رصاصة، ولا يوم انقسم الجيش أو تمردت قوة على أخرى. كانت تلك لحظة متأخرة في قصة بدأت قبل ذلك بسنوات طويلة؛ يوم عجز السودانيون عن إدارة اختلافهم بالكلمة، فاستعاضوا عنها بالبندقية، ويوم ضاق الوطن بالحوار فاتسع للحرب. فالأمم لا تنتقل فجأة من السجال إلى القتال، ولا تستبدل اللسان بالسنان إلا بعد أن تكون قد فقدت، شيئاً فشيئاً، قدرتها على الاعتراف المتبادل، وعلى الإصغاء إلى اختلافاتها بوصفها ثراءً لا تهديداً.
ولذلك فإنني لم أنظر إلى الحرب السودانية يوماً باعتبارها مجرد صراع على السلطة أو تنافس بين الجنرالات، كما لم أقتنع بالروايات التي ترد كل شيء إلى المؤامرات الخارجية أو التدخلات الإقليمية. فهذه كلها عوامل قد تسرّع الانهيار، لكنها لا تفسر منشأه. أما السؤال الذي ظل يلح عليّ فهو سؤال آخر أكثر إزعاجاً: كيف وصلنا أصلاً إلى اللحظة التي صار فيها الاقتتال بالأسنة بديلاً عن التدافع بالألسنة؟
إن الإجابة، في تقديري، لا تبدأ من ميدان المعركة، وإنما من فضاء الثقافة. فما من حرب أهلية تنشب بين ليلة وضحاها، بل تسبقها دائماً حرب صامتة على المعاني؛ حرب على تعريف الوطن، وعلى من يملك حق الحديث باسمه، وعلى من يحق له أن يمثل تاريخه وثقافته وذاكرته. وحين تُحسم هذه الحرب الرمزية لمصلحة جماعة واحدة، لا يبقى أمام الجماعات الأخرى إلا أحد خيارين: أن تقبل بالرواية التي كتبها غيرها، أو أن تبحث عن وسيلة أخرى لتكتب بها روايتها.
من هنا أزعم أن الأزمة السودانية لم تكن، في جوهرها، أزمة سلطة بقدر ما كانت أزمة تمثيل. ذلك أن السلطة قد تتداولها النخب، وقد تتغير الحكومات والأنظمة، لكن الأخطر من احتكار السلطة هو احتكار تعريف الوطن نفسه. فحين تحتكر جماعة بعينها حق تمثيل السودان، فإنها لا تستأثر بالمناصب وحدها، وإنما تستأثر أيضاً باللغة التي يُعرّف بها السودان، وبالتاريخ الذي يُروى عنه، وبالرموز التي تجسد هويته، وبالمعايير التي يُقاس بها الانتماء إليه.
وهنا يصبح التهميش أكثر عمقاً من مجرد الحرمان من الوظائف أو الثروة. إنه يتحول إلى تهميش وجودي؛ إذ يُطلب من المواطن، قبل أن يُعترف بحقوقه، أن يعترف أولاً بالرواية التي صاغها غيره عن نفسه وعن وطنه. فإذا فعل، قُبل بوصفه مواطناً صالحاً. وإذا تحفظ أو اعترض، أصبح موضع ريبة، وكأن اختلافه مع الرواية الرسمية اختلاف مع الوطن ذاته.
ذلك هو ما أسميه احتكار التمثيل الوطني.
ولعل هذا المفهوم يحتاج إلى شيء من التوضيح. فأنا لا أقصد به أن جماعة سياسية بعينها احتكرت الحكم، فهذه ظاهرة عرفتها دول كثيرة. وإنما أقصد أن نخبة ثقافية وسياسية نجحت، عبر عقود طويلة، في تقديم تجربتها التاريخية الخاصة باعتبارها التجربة الوطنية العامة، حتى غدا تاريخ المركز هو تاريخ السودان، ولهجة المركز هي لسان السودان، وثقافة المركز هي ثقافة السودان، وأصبحت بقية التجارب تُقدَّم بوصفها إضافات هامشية إلى متن كُتب في مكان آخر.
وليس معنى ذلك إنكار الإسهام العظيم الذي قدمته الثقافة العربية الإسلامية في تشكيل السودان، فهي جزء أصيل من تكوينه التاريخي، ولا يمكن كتابة تاريخ البلاد من دونها. لكن الفرق كبير بين الاعتراف بإحدى روايات السودان، وبين تحويلها إلى الرواية الوحيدة التي تستوعب كل شيء وتفسر كل شيء. ففي اللحظة التي يتحول فيها الجزء إلى الكل، تتحول الهوية من فضاء للاعتراف إلى أداة للإقصاء، حتى وإن لم يكن ذلك مقصوداً من أصحابه.
وقد ازداد يقيني بهذه الفكرة أثناء السجال الذي دار حول مقالي عن العلّامة عبد الله الطيب. كنت أظن أن السؤال الذي طرحته واضح: هل أدّى مشروع ثقافي معين، بصرف النظر عن نيات أصحابه، وظيفةً داخل بنية أيديولوجية كرّست مركزية ثقافية في الدولة السودانية؟ كان السؤال موجهاً إلى البنية، لا إلى الرجل، وإلى الوظيفة الاجتماعية للمعرفة، لا إلى القيمة العلمية لصاحبها.
لكن كثيراً من الردود، وفي مقدمتها رد الدكتور علي محمود، لم تناقش هذا السؤال، بل ناقشت من طرحه. وتحول الحوار، في وقت قصير، من مساءلة الأفكار إلى مساءلة الأشخاص، ومن تحليل الخطاب إلى الدفاع عن الرمز، وكأن المشكلة ليست فيما قيل، بل فيمن قاله.
ولا أذكر هذه الواقعة لأنني معني بالرد على الدكتور علي محمود، أو لأن المقال يدور حوله؛ فالأشخاص يذهبون وتبقى الأفكار. وإنما أستدعيها لأنها تمثل، في تقديري، نموذجاً مصغراً للمشكلة الأكبر التي أحاول وصفها. فعندما يصبح نقد خطاب ثقافي معين اعتداءً على قدسية أصحابه، فإننا نكون قد انتقلنا من فضاء المعرفة إلى فضاء السلطة، ومن النقاش الحر إلى حماية الرموز من المساءلة.
وهنا يصبح من الصعب ألا نستحضر ميشيل فوكو، الذي لم يكن معنياً بالسؤال التقليدي: هل هذا الخطاب صادق أم كاذب؟ بل كان يسأل سؤالاً أكثر عمقاً: كيف تُنتج الخطابات ما نسميه حقيقة؟ وكيف تحدد، قبل أن نبدأ النقاش، من يملك حق الكلام، وما الذي يعد معرفة مشروعة، ومن الذي يُمنح سلطة تعريف الواقع؟
فالخطاب، عند فوكو، ليس مجرد كلمات نصف بها العالم، بل هو منظومة تنتج العالم الذي نراه. إنه يحدد ما يبدو طبيعياً، وما يبدو شاذاً، ومن يمثل العقل، ومن يُدفع إلى الهامش. ولذلك فإن أخطر أشكال السلطة ليست تلك التي تمنع الناس من الكلام، بل تلك التي تحدد مسبقاً أي كلام يستحق أن يُسمع.
وهذا، في تقديري، هو ما حدث في التجربة السودانية. فلم يكن الاحتكار قائماً على القوة العسكرية وحدها، بل على احتكار الشرعية الرمزية؛ أي على القدرة على تحديد من يمثل السودان، ومن يتحدث باسمه، ومن يُعد امتداداً طبيعياً لتاريخه، ومن يحتاج دائماً إلى إثبات سودانيته.
إذا كان فوكو قد كشف كيف ينتج الخطاب الحقيقة الاجتماعية، فإن أنطونيو غرامشي ذهب خطوة أبعد حين سأل سؤالاً بالغ البساطة وعميق الدلالة: كيف تستطيع أقلية أن تحكم أكثرية، لا بالقوة وحدها، بل برضا المحكومين أنفسهم؟
كان جوابه أن السلطة لا تستقر لأن الدولة تمتلك الجيش والشرطة فحسب، وإنما لأنها تنجح في بناء ما سماه الهيمنة الثقافية؛ أي أن تجعل رؤيتها الخاصة للعالم تبدو وكأنها الرؤية الطبيعية الوحيدة. عندها لا تعود قيم الطبقة أو الجماعة المهيمنة قيماً خاصة بها، بل تتحول إلى ما يشبه “الحس المشترك” الذي يتعامل معه الجميع باعتباره أمراً بديهياً لا يحتاج إلى نقاش.
ثم جاء بيير بورديو ليكشف الآلية الدقيقة التي تعمل بها هذه الهيمنة. فالمجتمعات، في نظره، لا توزع الثروة وحدها، وإنما توزع أيضاً الرأسمال الرمزي؛ أي المكانة والهيبة والشرعية والقدرة على تعريف ما هو راقٍ وما هو مبتذل، وما هو مركزي وما هو هامشي، وما هو وطني وما هو أقل وطنية. ومن يمتلك هذا الرأسمال لا يحتاج دائماً إلى استخدام القوة، لأن المجتمع نفسه يتكفل بإعادة إنتاج سلطته، من خلال المدارس والجامعات ووسائل الإعلام والمؤسسات الثقافية، بل وحتى من خلال اللغة اليومية التي يتحدث بها الناس.
ولا أستدعي هذه النظريات لأفرض على التجربة السودانية قوالب مستوردة، وإنما لأنها تساعدنا على تسمية ما عجزنا، طويلاً، عن تسميته. فالمشكلة في السودان لم تكن أن العربية أصبحت لغة الدولة، ولا أن الإسلام كان أحد أهم مكونات الشخصية السودانية، فهذان عنصران راسخان في تاريخ البلاد، ولا معنى لإنكارهما. وإنما بدأت الأزمة عندما تحولت تجربة تاريخية محددة إلى المعيار الوحيد الذي تُقاس عليه سودانية الآخرين.
وهنا يكمن الفرق بين الهوية والهيمنة.
فالهوية تقول: هذه إحدى روايات السودان.
أما الهيمنة فتقول: هذه هي رواية السودان.
وبين العبارتين مسافة هي، في الحقيقة، المسافة بين دولة تتسع لجميع أبنائها، ودولة يشعر بعض أبنائها بأنهم يعيشون فيها ضيوفاً على تاريخ غيرهم.
ولذلك ظللت أستغرب، كلما قيل إن السودان لم يعرف أزمة هوية، لأن أبناء الداخليات الجامعية كانوا يعيشون معاً سنوات طويلة دون أن يسأل أحدهم الآخر عن قبيلته أو جهته.
تُروى هذه الحكاية دائماً باعتبارها دليلاً على أن السودانيين تجاوزوا العصبيات، وأن الحديث عن التهميش الثقافي مجرد اختراع سياسي متأخر.
ولكن هل هذا هو التفسير الوحيد؟
أليس من الممكن أن يكون الناس قد تعلموا، بصمت، أن أفضل طريقة للاندماج في المجال العام هي ألا يتحدثوا عن اختلافاتهم أصلاً؟ وأن الهوية الوحيدة التي لا تحتاج إلى تفسير أو تبرير هي هوية المركز، بينما تضطر بقية الهويات إلى أن تشرح نفسها كلما دخلت الفضاء الوطني؟
فالسكوت لا يكون دائماً علامة على الرضا، كما أن غياب الاحتجاج لا يعني غياب الشعور بالظلم. وكثير من أنظمة الهيمنة تبلغ من النجاح حداً يجعل الخاضعين لها يعيدون إنتاجها بأنفسهم، لا لأنهم مقتنعون بها تمام الاقتناع، بل لأنهم لم يعودوا يتصورون بديلاً لها.
ولعل أخطر ما تصنعه الهيمنة الثقافية أنها لا تكتفي بإقصاء المختلف، بل تدفعه إلى إعادة تشكيل نفسه طلباً للاعتراف.
وليس من الصعب أن يجد الباحث في التاريخ الاجتماعي السوداني شواهد على ذلك. فقد شهدت البلاد، عبر عقود طويلة، حالات اندمجت فيها جماعات متعددة اندماجاً كاملاً في اللغة والدين وأنماط الحياة، لكنها ظلت تشعر، بدرجات متفاوتة، بأن انتماءها الوطني محل اختبار دائم. ولم يكن مستغرباً، في مثل هذا السياق، أن يحرص بعض أبناء الأسر ذات الأصول الغربية (من غرب إفريقيا) أو غيرها على إبراز انتسابهم إلى قبائل الوسط النيلي، لا لأن ذلك يعكس بالضرورة حقيقة أصولهم التاريخية، وإنما لأن الرأسمال الرمزي الذي احتكرته ثقافة المركز جعل هذا الانتساب طريقاً إلى الاعتراف الاجتماعي.
وهنا تتوقف الهوية عن أن تكون ذاكرة، وتصبح استراتيجية للبقاء.
إنها ليست عملية اندماج حر، وإنما شكل من أشكال الإدماج القسري؛ قسري لا لأنه يُفرض بقوة القانون، وإنما لأنه يُفرض بقوة المعيار الثقافي. فالإنسان لا يُجبر على تغيير نفسه بالسلاح، بل يُدفع إلى ذلك لأن المجتمع أقنعه، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بأن الاعتراف الكامل لن يتحقق إلا إذا اقترب من النموذج الذي يحتكر تعريف الوطنية.
ولذلك فإن قيمة بعض الدراسات التاريخية لا تكمن في تفاصيلها وحدها، وإنما فيما تكشفه من طبيعة المجتمع السوداني قبل أن تعيد الدولة الوطنية صياغة سرديته. ومن بين هذه الدراسات يبرز عمل الباحث أيوب بالمون في كتابه Peoples and Economics in the Sudan, 1884–1956. فالقيمة العلمية لهذا العمل لا تقتصر على توثيق الهجرات أو الأنشطة الاقتصادية، بل تتمثل أيضاً في إظهاره السودان فضاءً تاريخياً واسعاً، تشكل عبر حركة مستمرة من الشعوب والثقافات والتفاعلات، لا عبر رواية أحادية مغلقة.
وهذا ما تؤكده أيضاً طائفة واسعة من الدراسات الأنثروبولوجية والتاريخية التي تناولت تكوين المجتمع السوداني؛ إذ تكاد تجمع على أن التنوع ليس استثناءً في تاريخ السودان، بل هو قاعدته الأصلية. ومن ثم فإن الأزمة لم تكن في وجود هذا التنوع، وإنما في الطريقة التي أُعيد بها ترتيب رموزه داخل الدولة الحديثة، بحيث أصبح بعضه يمثل “الأصل”، بينما قُدِّم البعض الآخر باعتباره “فرعاً” أو “هامشاً”.
ومن هنا أعتقد أن الخطأ الأكبر الذي وقعنا فيه، ونحن نفسر الحروب السودانية، هو أننا تعاملنا معها باعتبارها أزمات سياسية وعسكرية يمكن حلها بالمفاوضات أو بتقاسم السلطة أو بإعادة توزيع المناصب.
كل ذلك ضروري، لكنه ليس كافياً.
فالسياسة لا تنشأ في الفراغ، وإنما تنبت في تربة ثقافية. وإذا كانت هذه التربة قد تشكلت على فكرة أن هناك من يمثل الوطن أكثر من غيره، وأن هناك من يمتلك حق تعريف السودان دون سواه، فإن أي اتفاق سياسي لن يفعل أكثر من إعادة توزيع السلطة فوق البنية الثقافية نفسها التي أنتجت الأزمة.
ولهذا أقول إن وراء كل أزمة سياسية أزمة ثقافية، ووراء كل حرب أهلية سردية وطنية فشلت في استيعاب جميع أبنائها.
إننا نستطيع أن نوقع عشرات الاتفاقيات، وأن نعيد رسم الخرائط الدستورية، وأن نقتسم الوزارات والولايات، لكننا لن نبني سلاماً دائماً ما لم نجرؤ على مساءلة الثقافة السياسية التي جعلت بعض السودانيين يشعرون بأنهم أولاد البلد، بينما يشعر آخرون بأنهم مطالبون، في كل مرة، بإثبات حقهم في الإقامة في ذاك البلد.
إن أخطر ما في الحروب الأهلية أنها تخدعنا مرتين؛ مرة حين تجعلنا نظن أن الرصاص هو المشكلة، ومرة أخرى حين تقنعنا بأن إسكات الرصاص هو الحل. والحقيقة أن السلاح لا يصنع الأزمة، وإنما يكشفها. فهو اللغة التي تلجأ إليها المجتمعات عندما تفشل في إنتاج لغة أخرى يتسع فيها الوطن لجميع أبنائه.
ولذلك فإنني لا أشارك أولئك الذين يعتقدون أن السودان سيخرج من أزمته بمجرد توقيع اتفاق سياسي جديد، أو بتشكيل حكومة انتقالية أكثر اتساعاً، أو بإعادة توزيع المناصب بين القوى المتصارعة. فكل هذه الترتيبات قد توقف الحرب، لكنها لا تمنع عودتها، لأنها تتعامل مع النتائج أكثر مما تتعامل مع الأسباب.
لقد علمتنا تجارب السودان، منذ الاستقلال، أن الاتفاقيات السياسية كانت تتكاثر، بينما كانت الحروب تتكاثر معها. وما كان ذلك بسبب نقص الوسطاء أو ضعف النصوص الدستورية، وإنما لأننا كنا نعالج بنية سياسية استندت، في أصلها، إلى بنية ثقافية لم تُراجع قط.
ولم نسأل أنفسنا، بالقدر الكافي: كيف تشكلت فكرتنا عن الوطن؟ ومن الذي كتب الرواية الرسمية للسودان؟ ولماذا بدا لبعض السودانيين أنهم يمثلون “السودان الطبيعي”، بينما ظل آخرون مطالبين، جيلاً بعد جيل، بإثبات سودانيتهم؟
إن هذه الأسئلة ليست ترفاً فكرياً، كما قد يظن البعض، بل هي الشرط الأول لبناء سلام مستدام. فالدساتير تنظم السلطة، أما الثقافات فتحدد من يستحقها. والقوانين توزع الحقوق، أما السرديات الوطنية فتحدد، في الوعي الجمعي، من يبدو أكثر استحقاقاً لهذه الحقوق. ولهذا فإن إصلاح الدولة لا يكتمل بإصلاح مؤسساتها، ما لم يُصاحبه إصلاح للرواية التي تروي بها الدولة نفسها.
وقد يبدو هذا الحديث، في ظل الحرب التي يعيشها السودان اليوم، سابقاً لأوانه. فمشاهد الدم والدمار والنزوح تجعل الناس أكثر انشغالاً بوقف القتال من مساءلة الثقافة التي سبقته. غير أن هذه اللحظة، في تقديري، هي أكثر اللحظات حاجة إلى هذا النقاش. فالحرب لم تُشعل أزمة الهوية، لكنها كشفتها بأقسى صورها، وأطلقت من المشاعر والهويات الجريحة ما ظل كامناً تحت السطح لعقود طويلة.
إن المجتمعات لا تصبح أكثر عقلانية أثناء الحروب، وإنما تصبح أكثر استعداداً للانغلاق داخل هوياتها الأولية، وأكثر ميلاً إلى اختزال التاريخ في رواية واحدة، وإلى تقسيم العالم بين “نحن” و”هم”. ولذلك فإن تأجيل النقاش الثقافي إلى ما بعد الحرب ليس حلاً، بل هو تأجيل للأسباب التي قد تنتج الحرب التالية.
إن السلام الحقيقي لا يبدأ عند طاولة التفاوض، بل يبدأ عندما يعترف السودانيون بأن أحداً لا يحتكر تمثيل السودان، وأن الوطن أكبر من أي جماعة، وأوسع من أي ثقافة، وأغنى من أي رواية واحدة. فليس المطلوب أن تتخلى جماعة عن ذاكرتها، ولا أن تتنكر لأصولها، وإنما أن تعترف بأن ذاكرتها ليست الذاكرة الوحيدة، وأن تاريخها ليس التاريخ الوحيد، وأن انتماءها، مهما كان عميقاً، لا يمنحها حق احتكار الحديث باسم الجميع.
إنني لا أدعو إلى هدم الهوية الوطنية، بل إلى تحريرها من الاحتكار. فالهوية الجامعة لا تُبنى بإلغاء الهويات، وإنما بالاعتراف بها جميعاً داخل إطار وطني مشترك. ولا تقوم الدولة الحديثة على التشابه، بل على المساواة بين المختلفين.
ولعل هذا هو الدرس الذي تأخر السودان كثيراً في تعلمه.
لقد اعتدنا أن ننظر إلى البنادق فنحسب أنها صنعت الحرب، بينما كانت البنادق، في الحقيقة، آخر ما صُنع. أما الذي صُنع قبلها بسنوات طويلة، فهو خطاب لم يتسع للجميع، وسردية لم يرَ الجميع أنفسهم فيها، وثقافة خلطت بين الوطنية واحتكار تمثيلها.
ومن هنا فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس: كيف نُسكت البنادق؟ فهذا سؤال تفرضه الضرورة، لكنه لا يكفي. وإنما السؤال الأعمق هو: كيف نبني وطناً لا يحتاج فيه أحد إلى حمل البندقية حتى يُسمع صوته؟
ذلك هو التحدي الحقيقي الذي يواجه السودان.
فإذا لم نُفكك البنية الثقافية التي أنتجت احتكار التمثيل الوطني، فإننا سنظل نُعيد إنتاج الأزمة نفسها، مهما تبدلت الحكومات، وتغيرت الدساتير، وتوقفت الحروب. وسنكتشف، بعد كل هدنة، أن ما حسبناه نهاية للصراع لم يكن سوى استراحة قصيرة قبل أن تعود الأسئلة القديمة بثياب جديدة.
ولعل المأساة كلها يمكن اختزالها في جملة واحدة:
لم نصل إلى الاقتتال بالأسنّة لأن السودانيين أحبوا الحرب، بل لأنهم، قبل ذلك بوقت طويل، فقدوا القدرة على التدافع بالألسنة.
وحين نستعيد فضيلة الحوار، ونعترف بأن الوطن لا يكتمل إلا بجميع رواياته، عندها فقط يصبح اللسان أقوى من السنان، وتصبح الكلمة، لا الرصاصة، هي الطريق إلى بناء وطن يسع الجميع.
auwaab@gmail.com
The post احتكار التمثيل الوطني .. كيف تحوّل اختلاف الألسنة إلى تدافع بالأسنّة؟ appeared first on سودانايل.