شبكة الحسكة الإعلامية

بغداد بعد باراك.. ساعة الصفر لتغيير “الدولة العميقة”

نشر: يونيو 20, 2026 آخر تحديث: يونيو 20, 2026

بغداد / تميم الحسن

يبدو أن “الإطار التنسيقي” قبل، على مضض، موجة تغييرات مفاجئة ضربت مواقع حساسة في الدولة، شملت حتى الآن نحو 80 موظفاً بين مسؤولين كبار وموظفين في مواقع مؤثرة.
لكن ما جرى حتى الآن لا يبدو سوى بداية لمسار أوسع يتوقع أن يتصاعد خلال الأيام المقبلة، بالتزامن مع استكمال تشكيل الحكومة وملء المناصب الشاغرة.
وتشير معطيات سياسية إلى أن بعض التغييرات تندرج ضمن سياسة “تدوير المواقع”، فيما يرتبط بعضها الآخر بملفات أكثر حساسية تتصل بنفوذ الفصائل المسلحة داخل مؤسسات الدولة، وبالاستحقاقات التي فرضتها المرحلة الجديدة من العلاقة مع واشنطن.
وكانت “المدى” قد كشفت في أيار الماضي عن عاصفة تغييرات مرتقبة قد تطال نحو ثلاثة آلاف موظف رفيع المستوى محسوبين على جماعات مسلحة أو مرتبطين بشبكات النفوذ التي تشكلت خلال السنوات الماضية.
وتؤكد مصادر سياسية متقاطعة أن “الإطار التنسيقي” فوجئ بحجم التغييرات التي طالت مفاصل أمنية واقتصادية مهمة، لكنها ترجح أن التحالف الشيعي اختار الصمت، أو وجد نفسه مضطراً إليه، بعدما منح رئيس الوزراء علي الزيدي تفويضاً واسعاً لإدارة المرحلة الجديدة مع الولايات المتحدة.
وجاءت القرارات بعد ساعات فقط من انتهاء زيارة المبعوث الأميركي توم باراك إلى بغداد، في توقيت ترى فيه المصادر أن قوى الإطار لا ترغب بفتح مواجهة سياسية جديدة، خصوصاً بعد تجاوزها سلسلة سيناريوهات كانت تثير قلقاً متزايداً خلال الأشهر الماضية.
الأمن أولاً.. سقوط أسماء ثقيلة
في الجانب الأمني، كان إبعاد رئيس جهاز الأمن الوطني أبو علي البصري من أبرز المفاجآت.
البصري، الذي تولى رئاسة الجهاز عام 2023، يُعد من الشخصيات المقربة من قوى “الإطار”، كما قاد الفريق الذي حقق في قضية “سرقة القرن” الخاصة بأمانات الهيئة العامة للضرائب.
وقبل ذلك بعام واحد عاد البصري إلى الواجهة الأمنية بعد إبعاد أحمد أبو رغيف، الذي كان يقود لجنة مكافحة الفساد التي شكلها رئيس الوزراء السابق مصطفى الكاظمي.
وبحسب هيئة النزاهة، كان البصري يرأس عام 2022 الفريق الساند للهيئة العليا لمكافحة الفساد بصفته مديراً عاماً في وزارة الداخلية.
لكن الرجل نفسه كان قد أُبعد مطلع عام 2021 عن قيادة “خلية الصقور” الاستخبارية، التي كان قد شكلها نوري المالكي، على خلفية تسريبات تحدثت آنذاك عن علاقات تربطه بفصائل مسلحة.
وبقرار جديد، كلّف الزيدي باسم البدري برئاسة جهاز الأمن الوطني. والبدري، الذي يرأس هيئة المساءلة والعدالة، كان من أبرز الأسماء التي طرحها نوري المالكي لرئاسة الحكومة في مراحل سابقة.
كما شهدت علاقته بمحمد شياع السوداني توترات سياسية بسبب خلافات مرتبطة بملفات هيئة المساءلة والعدالة، رغم تفاهمات سياسية أُبرمت عام 2022 لمعالجة هذا الملف.
الإطاحة بالأعرجي.. ورسائل إلى “بدر”
المفاجأة الثانية تمثلت بإبعاد مستشار الأمن القومي قاسم الأعرجي، القيادي البارز في منظمة بدر.
وجاء التغيير بعد تسريبات تحدثت عن استعداد “بدر” بزعامة هادي العامري للانخراط في ترتيبات تتعلق بملف السلاح، وهو ما فُسر داخل الأوساط السياسية على أنه محاولة للتكيف مع المتغيرات الجديدة، وربما تجنب الوقوع تحت “الفيتو الأميركي” الذي يطال فصائل أو شخصيات ينظر إليها في واشنطن بوصفها جزءاً من المشكلة الأمنية.
وحل مكان الأعرجي قاسم العبودي، العضو السابق في مجلس المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، والذي شغل موقعه خلال واحدة من أكثر الفترات حساسية في تاريخ العملية السياسية بين عامي 2009 و2012.
وكانت تلك المرحلة قد شهدت أزمة “الكتلة الأكبر” التي مهدت الطريق أمام حصول نوري المالكي على ولاية ثانية، بعد انتخابات ما زالت تداعياتها حاضرة في المشهد السياسي العراقي.
“حصر السلاح” يدخل مرحلة التنفيذ
التغييرات الأمنية تزامنت مع قرارات توصف بأنها الأجرأ منذ أكثر من عقد فيما يتعلق بملف حصر السلاح بيد الدولة.
وتقول مصادر سياسية إن الزيدي قدم تعهداً واضحاً للمبعوث الأميركي بأن عملية حصر السلاح ستُنفذ من دون استثناءات، وهو ما يفسر تسارع التغييرات داخل المؤسسات الأمنية.
وفي هذا السياق، تتردد معلومات عن إمكان استبدال رئيس جهاز مكافحة الإرهاب كريم التميمي، فيما يبرز اسم وزير الداخلية عبد الأمير الشمري كأحد المرشحين لتولي موقع أمني أكثر تأثيراً.
أما رئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض، فتشير التسريبات إلى أن أيامه في المنصب قد تكون معدودة، خصوصاً بعد إعادة تحريك ملف إحالته إلى التقاعد.
وتقول مصادر سياسية إن الفياض كان يدرك مبكراً صعوبة بقائه في موقعه، الأمر الذي دفعه إلى الانشقاق عن معسكر السوداني، ومحاولة بناء تحالفات سياسية جديدة مع أحمد الأسدي، عبر ما عرف لاحقاً بـ”تحالف العقد الوطني” على أمل أن يتوسع بمشاركة المالكي.
وكانت وزارة الخزانة الأميركية قد فرضت عام 2021 عقوبات على الفياض بسبب اتهامات تتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان خلال احتجاجات تشرين الأول 2019.
وتتحدث تسريبات عن أن عبد الوهاب الساعدي قد يكون المرشح الأبرز لخلافته، رغم أن اسمه لا يحظى بحماسة واضحة داخل أوساط “الإطار التنسيقي”.
ويرى مراقبون أن اختيار الساعدي، إذا تم، قد يكون مرتبطاً بمهمة إعادة هيكلة الحشد الشعبي وإعادة تعريف دوره في المرحلة المقبلة.
وتعتقد بغداد أن المبررات التي تستند إليها الفصائل الرافضة لتفكيك السلاح ستتراجع بصورة كبيرة بعد أيلول 2026، وهو الموعد المفترض لانتهاء وجود قوات التحالف الدولي.
ويعزز هذا التقدير ما كشفه المبعوث الأميركي توم باراك خلال زيارته الأخيرة، بحسب ما نقله المستشار الأمني لرئيس الوزراء خالد اليعقوبي.
تدوير مواقع أم إعادة رسم موازين القوى؟
حتى الآن، لم يُسجل أي اعتراض علني من أطراف “الإطار التنسيقي” على التغييرات، وهو ما يفتح الباب أمام احتمال وجود تفاهمات مسبقة أو صفقات ترضية بين القوى الرئيسية.
ومن أبرز القرارات الاقتصادية إبعاد محافظ البنك المركزي علي العلاق القريب من المالكي، وتكليف نزار ناصر خلفاً له. والأخير كان يشغل منصب المدير العام لمكتب مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب في البنك.
ويرى محللون أن هذا التغيير قد يكون مقدمة لإجراءات اقتصادية أوسع، من بينها مراجعة سياسة سعر الصرف، ضمن برنامج إصلاحي تحدثت عنه “المدى” سابقاً باعتباره جزءاً من رؤية الزيدي للانتقال مما يسميه بـ”العقلية الاشتراكية” إلى نموذج اقتصادي أكثر انفتاحاً، ووافق عليه التحالف الشيعي.
وتؤكد مصادر سياسية أن كثيراً من المسؤولين الذين يتم إعفاؤهم لن يغادروا المشهد بالكامل، بل سيعاد توزيعهم على مواقع أخرى، بما يحفظ توازنات الشراكة السياسية ويمنع انفجار الخلافات داخل التحالف الحاكم.
وفي هذا السياق، يجري الحديث عن انضمام أبو علي البصري إلى لجنة مكافحة الفساد التي شكلها الزيدي الشهر الماضي، وهي لجنة يتوقع أن تلاحق عشرات الشخصيات المتهمة بإدارة شبكات فساد واسعة، ويطلق عليها إعلامياً اسم “حيتان الفساد”.
الجمارك والمنافذ.. معركة النفوذ الجديدة
لكن التغييرات لا تتوقف عند المؤسسات الأمنية والمالية.
فهناك مؤشرات إلى حملة أوسع تستهدف شبكات النفوذ داخل المنافذ الحدودية والجمارك ضمن “فريق السوداني”، وهي واحدة من أكثر المؤسسات حساسية من الناحية الاقتصادية.
ورغم نفي مقربين من السوداني وجود أي علاقة له بملفات فساد، فإنهم يؤكدون في الوقت نفسه أنه كان الأكثر نشاطاً في ملاحقة هذه الملفات خلال فترة رئاسته للحكومة.
وضمن هذا السياق، أقال الزيدي سامي السوداني من منصبه مستشاراً لشؤون المنافذ الحدودية والجمارك، وكلف حسن العكيلي بديلاً عنه.
كما تم تكليف عادل الياسري برئاسة هيئة الاستثمار خلفاً لحيدر مكية القريب من السوداني.
وأصدر رئيس الوزراء سلسلة تعليمات صارمة تضمنت تدوير جميع العاملين في المنافذ الحدودية خلال 48 ساعة، وإعادة الضباط والمنتسبين والموظفين الملحقين بهيئة المنافذ إلى وزارة الداخلية خلال المدة نفسها.
ولم تتوقف موجة التغييرات عند المؤسسات الأمنية والاقتصادية، بل امتدت إلى قطاع الخدمات الذي ظل طوال السنوات الماضية ساحة نفوذ متشابكة بين الأحزاب والقوى السياسية.
فقد أنهت وزارة المالية التعاقد مع موظفَين اثنين، أحدهما في مكتب الوزير، والآخر في الصندوق العراقي للتنمية الخارجية، فيما قررت وزارة الكهرباء إعفاء 4 مسؤولين في بغداد.
كما شملت الإجراءات نقل نحو 70 موظفاً في بغداد، بعد تسجيل ملاحظات تتعلق بالتقصير في أداء الواجبات الوظيفية.
حكومة ناقصة.. ومعركة الدرجات الخاصة
ولا تبدو هذه التحركات بعيدة عن الصراع المستمر على الوزارات الشاغرة والدرجات الخاصة بين فريقي السوداني والمالكي، وهي ملفات ما زالت رهينة الخلافات بين القوى الشيعية والفصائل المختلفة.
وكان لافتاً أن الزيدي بدأ عملياً المرحلة الثانية من توزيع النفوذ داخل الدولة عبر الهيئات والمناصب الحساسة، قبل اكتمال تشكيل حكومته.
وخلال مفاوضات تشكيل الحكومة الشهر الماضي، كان قادة في “تيار الحكمة” بزعامة عمار الحكيم، يؤكدون لـ”المدى” أن حسم ملف الدرجات الخاصة سيؤجل إلى ما بعد اكتمال الكابينة الوزارية، لكن الوقائع الحالية تشير إلى مسار مختلف.
ولا تزال 9 وزارات شاغرة حتى الآن، فيما يتوقع أن تتسارع حركة التعيينات والتغييرات خلال الأيام المقبلة.
وقال القيادي في ائتلاف الإعمار والتنمية عبد الأمير تعيبان إن الخلافات بين الأحزاب ما زالت تعرقل حسم أسماء المرشحين المتبقين، داعياً إلى الدفع بوجوه شابة والابتعاد عن إعادة تدوير الشخصيات التقليدية.
إعادة تشكيل “الدولة العميقة”
ويبدو أن الزيدي يسعى إلى إنجاز أكبر قدر ممكن من الملفات قبل زيارته المرتقبة إلى واشنطن منتصف تموز المقبل.
ويؤكد المتحدث باسم الحكومة حيدر العبودي أن رئيس الوزراء يحظى بدعم سياسي وشعبي في ملفي حصر السلاح ومكافحة الفساد.
في المقابل، تتحدث مصادر قريبة من “الإطار التنسيقي” عن أن ما تصفه بـ”الاجتثاث الأميركي” لن يقتصر على منع ممثلي الفصائل من الوصول إلى الوزارات، بل سيمتد إلى الدرجات الخاصة والمناصب الحساسة داخل الدولة.
وتقدر هذه المصادر أن نحو ثلاثة آلاف موظف رفيع المستوى قد تشملهم التغييرات، بينهم مسؤولون في السلك الدبلوماسي والمؤسسات العسكرية والمالية والهيئات المستقلة، بسبب ارتباطات سياسية أو تنظيمية تعتبرها واشنطن غير مقبولة.
لكن قراءات سياسية أخرى ترى أن الهدف الأبعد لا يتعلق فقط بإبعاد شخصيات مرتبطة بالفصائل، بل بإعادة تشكيل الطبقة الإدارية التي تراكمت خلال الحكومات السابقة، وإعادة رسم ما يعرف بـ”الدولة العميقة”، بما ينسجم مع موازين القوى الجديدة التي تتشكل في بغداد.

The post بغداد بعد باراك.. ساعة الصفر لتغيير "الدولة العميقة" appeared first on جريدة المدى.