شبكة الحسكة الإعلامية

على طريقة قاسم مصلح: اليعقوبي يخرج «بريئاً».. والزيدي يدخل «حرب الفصائل»

نشر: أغسطس 19, 2026 آخر تحديث: أغسطس 20, 2026

 بغداد/ تميم الحسن

قررت الفصائل فتح مواجهة مع رئيس الحكومة علي الزيدي، أو دفعه إلى الاستقالة، فيما يبدو أن مهلة “30 أيلول” لنزع السلاح ستمتد إلى ستة أشهر جديدة.
وفي ذروة هذا التصعيد، وصل إلى بغداد مسؤول إيراني رفيع، بعد أن أخفقت محاولة سابقة لاحتواء الاشتباك المتصاعد بين الحكومة والفصائل.

ويقول مقربون من الفصائل لـ(المدى) إن عباس اليعقوبي، الذي اعتقلته قوات مكافحة الإرهاب الاثنين الماضي، أطلق سراحه بعد تبرئته من التهم الموجهة إليه. وسرعان ما ظهرت صور للرجل على منصات عدة بعد الإفراج عنه.
وقالت هيئة الحشد إن القضاء برأ اليعقوبي من التهم الموجهة إليه.
وبدا المشهد مألوفاً في ذاكرة الصراع بين الدولة والفصائل.
سيناريو يشبه ما جرى سابقاً مع قاسم مصلح، ومع مسلحي “خلية الدورة” الذين حاولت حكومة مصطفى الكاظمي اعتقالهم قبل أن ينتهي الأمر بالإفراج عنهم تحت ضغط سياسي وفصائلي.
وكان اليعقوبي، وهو موظف مزدوج في هيئة الحشد و”النجباء”، قد تحول خلال ساعات إلى مركز أزمة داخل “الإطار التنسيقي” نفسه.
ففي اجتماع للتحالف الشيعي مساء الاثنين، وقعت، بحسب معلومات وصلت لـ(المدى)، اشتباكات لفظية بين قيادات الإطار بسبب قضية الرجل، قبل أن ينتهي الأمر بتسليمه إلى هيئة الحشد الشعبي، تمهيداً لما انتهى إليه لاحقاً بالإفراج عنه.
وكان اليعقوبي، بوصفه أحد الرجال المهمين في حركة النجباء، قد كاد يتسبب، بحسب تهديدات الفصيل، بـ”إحراق بغداد”. لكن الإفراج عنه لم يكن نهاية القصة.

“إعلان الحرب”
منذ لحظة الاعتقال، تقول المصادر، تغيرت لغة الفصائل تجاه رئيس الحكومة.
“لن ترضى الفصائل بوجود الزيدي بعد الآن”، تقول المصادر، مضيفة أن رئيس الحكومة “سيتعين عليه الاستقالة قبل نهاية العام الحالي”.
وترافق ذلك مع إشارات وتحذيرات متعددة من احتمال استهداف الزيدي.
وكانت “كتائب حزب الله” قد هددت رئيس الحكومة بعد اعتقال اليعقوبي، فيما وصفت إجراءاته بـ”العنترية الفارغة” و”المستفزة”.
وجددت الكتائب رفضها تفكيك السلاح، لكنها أضافت إلى شروطها انسحاب القوات الأميركية والتركية، وحل قوات البيشمركة، قبل الحديث عن نزع سلاح الفصائل. أما حركة النجباء، فقد لوحت بالخروج في تظاهرات ضد إجراءات رئيس الحكومة، وذهبت إلى وصف قوات مكافحة الإرهاب بـ”قوات صدام”.
وبذلك تحول ما حدث في منطقة الفضيلية، جنوبي الناصرية، لحظة اعتقال اليعقوبي، إلى أول اختبار حقيقي للزيدي. بل إن سياسيين وصفوا الحادثة بأنها “رصاصة في جدار التهدئة” الذي حاول “الإطار التنسيقي” وطهران بناءه في الأيام الأخيرة.

ستة أشهر بدلاً من “30 أيلول”
ومن أبرز نتائج التصعيد، بحسب المصادر، أن مهلة “30 أيلول” لحصر السلاح لن تبقى كما كانت.
فالموعد، وفق ما تقوله المصادر، قد يصبح مجرد بداية لمسار جديد، على أن تمتد المهلة الفعلية ستة أشهر على الأقل.
وحتى الآن، لم يصدر أي قرار رسمي بتمديد المهلة، فيما تصر الحكومة على أن موعد “30 أيلول” ما يزال ثابتاً.
وتبدو هذه المواعيد الجديدة مرتبطة بالترتيبات التي كشف عنها نوري المالكي بشأن تشكيل لجنة جديدة لحصر السلاح. وفي المقابل، تصاعدت تحذيرات هادي العامري من استخدام القوة في تفكيك سلاح الفصائل.
وكان سياسي قريب من “الإطار التنسيقي” قال لـ(المدى) إن “التحالف الشيعي يريد نزع سلاح كما جرى في التجارب السابقة، بشكل صوري، يجمع من بعض الأهالي والعشائر”.
وكانت مصادر قد تحدثت إلى (المدى) عن استعداد الفصائل لتسليم أسلحة خفيفة، معظمها “خردة”، فيما تبقى الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والأسلحة الثقيلة بعيدة عن اللمس.
وكشفت (المدى) في وقت سابق عن وجود ستة أنواع من الأسلحة المهمة لدى الفصائل، موزعة في ما لا يقل عن 12 قاعدة أو موقعاً عسكرياً من البصرة إلى نينوى. واقترحت أطراف شيعية، وربما بدعم إيراني، حلاً يقوم على “تخزين السلاح بدل نزعه”، في مواقع معروفة داخل هيئة الحشد الشعبي، في محاولة لفك الاشتباك بين الحكومة والفصائل.

“فرملت” الزيدي
وكان “الإطار التنسيقي” قد حاول، بحسب مسؤولين، وبعد زيارات لمسؤولين إيرانيين إلى بغداد، أن “يفرمل الزيدي” عن المضي في مشروع نزع السلاح. وكان آخر هؤلاء محمد باقر قاليباف، رئيس مجلس الشورى الإيراني، الذي وصل إلى بغداد أمس.
ويأتي ذلك بعد زيارة سرية قام بها الأسبوع الماضي إسماعيل قاآني، قائد “فيلق القدس”، في محاولة لاحتواء التصعيد. لكن زيارة قاآني، وفق ما يظهر من التطورات، لم تمنع انفجار أزمة اليعقوبي. ويرى محمد نعناع، الأكاديمي والباحث في الشأن السياسي، أن زيارة قاليباف تأتي في مستوى سياسي رفيع، وتبحث في كيفية “تلافي الانزلاقات” التي يمكن أن تحدث في العراق.
ويقول لـ(المدى) إن إيران تريد للقوى التي تحكم النظام السياسي العراقي أن تبقى متماسكة، وألا تتشظى أو تنقسم، بالتزامن مع استحقاقات حساسة، أبرزها حصر السلاح وخروج القوات الأميركية. ويضيف أن طهران تشعر بأن نفوذها في العراق يتعرض لهزات.
وهذا النفوذ، بحسب نعناع، لا يقتصر على السياسة، بل يمتد إلى الاقتصاد والثقافة والشارع وصعد أخرى.
“زيارة قاليباف معد لها أن تبحث ملفات تديم النفوذ الإيراني الذي يتعرض إلى ضربات”، يقول نعناع.

تطمينات قاليباف
ومن أهم ما يريد قاليباف القيام به، بحسب الباحث، تقديم تطمينات داخل “الإطار التنسيقي”، الذي بدأ ينقسم بشكل واضح حول ملف حصر السلاح.
فهناك، كما يقول، قسم من قادة الإطار يؤيد الذهاب بالكامل نحو حصر السلاح بيد الدولة، فيما تتمنع قوى أخرى، وترفض جهات هذا المسار من حيث المبدأ. لكن قاليباف، بحسب نعناع، لا يأتي فقط لطمأنة القوى الشيعية.
فالزيارة يمكن أن تكون أيضاً رسالة إلى القوى السنية، وإلى القوى الكردية بشكل خاص، التي تتعرض، كما يقول، إلى ضربات شبه يومية من الحرس الثوري الإيراني.
ويعتقد نعناع أن الزيارة تمثل “زيارة إيران الدولة”، في محاولة لخلق وضع سياسي يحد من تراجع النفوذ الإيراني.
خصوصاً بعد تصعيد “إيران الثورة”، المتمثلة بالحرس الثوري، واستهداف العراق وكردستان، وإطلاق تصريحات توحي بالوصاية على العراق أو باستخدامه. ويضيف أن بعض تلك التصريحات تقدم الفصائل بوصفها الممثل الحقيقي للعراق، لا الحكومة التي تدير الدولة. ويتوقع نعناع أن تصدر عن الزيارة مواقف مهمة. ويقول إن قوى السلطة في العراق تدرك أهمية التنسيق مع مراكز سياسية وسيادية رسمية أكثر اعتدالاً داخل النظام الإيراني.
ويقول: “وشيئاً فشيئاً، حتى قوى من الإطار بدأت تذهب في هذا الاتجاه، وتريد التخلص من ضغط الحرس الثوري”.
بين تصعيدين
ويربط نعناع الزيارة بالتصعيد الأخير الذي قامت به الحكومة، وباعتقال قيادات ورؤوس من الفصائل والحشد.
ويرى أن رد الفعل الحكومي جاء وفق مذكرات قبض، وليس، كما ورد في بيان أبو مجاهد العساف، “دبجات على صدر الخال من ابن أخته”.
ويضيف أن قاليباف سيحاول معالجة “تصعيدين”: تصعيد الحكومة استعداداً لحصر السلاح بيد الدولة، ورد الفعل الفصائلي على ذلك.
ويقول: “وهذان التصعيدان ليسا في صالح النفوذ الإيراني في العراق”.
ويرى نعناع أن قاليباف، بما يحمله من صفة رسمية تمثل “إيران الدولة”، وما يمتلكه من ثقل بوصفه مقرباً من الحرس الثوري، قادر على لعب دور في تخفيف التصعيد وتوظيفه لصالح السياسة الخارجية والمجال الحيوي لإيران.
البحث عن مخرج
بدوره، يشير الدبلوماسي السابق غازي فيصل إلى أن زيارة قاليباف تحمل جانباً عراقياً واضحاً، في ظل تصاعد الخلاف حول سلاح الفصائل ومستقبل النفوذ الإيراني في البلاد.
ويرى فيصل في حديث لـ(المدى) أن مسرح العمليات العسكرية في العراق تحول من ساحة يفترض أن تكون للدفاع عن العراق إلى ساحة لشن هجمات، بينها الهجمات التي طالت كردستان ومكتب رئيس حكومة الإقليم، معتبراً ذلك انتهاكاً خطيراً للقانون الدولي، وتدخلاً في شؤون الدول الأخرى.
ويتساءل فيصل عما إذا كانت زيارة قاليباف ستقدم مؤشرات على تغيير في السياسة الإيرانية أو مواقف إيجابية لوقف التدخل في الشأن العراقي، لكنه لا يعتقد أن طهران “ستذهب إلى صحوة وتتخلى عن هذه الاستراتيجية” التي أسس لها قاسم سليماني، والقائمة على بناء نفوذ عسكري وأمني خارج الحدود.
ويرى أن قاليباف يبحث عن مخرج لإعادة رسم صورة تبدو أكثر اعتدالاً لإيران في العراق، لكن ذلك لا يعني، في رأيه، أن الحرس الثوري سيغير قواعد القوة التي بناها داخل البلاد.
ويقول فيصل إن الحرس الثوري يواصل محاولات الهيمنة والنفوذ على القرار السياسي العراقي، وعلى المؤسسات السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية، فيما يبقى ملف الفصائل المسلحة في صلب الصراع على مستقبل الدولة العراقية.

The post على طريقة قاسم مصلح: اليعقوبي يخرج «بريئاً».. والزيدي يدخل «حرب الفصائل» appeared first on جريدة المدى.