زعيم شيعي يقود وساطة الفرصة الأخيرة.. والفصائل: الضمانات أولاً ثم السلاح
بغداد/ تميم الحسن
يبدأ زعيم شيعي بارز محاولة جديدة لإقناع “الفصائل” بنزع السلاح خلال الشهر المتبقي على انتهاء المهلة.
المهمة ليست سهلة والجماعات المسلحة لا تبدو مستعدة للذهاب بعيداً في الحوار قبل أن تعرف ماذا سيحدث لها بعد أن تسلّم ما تملكه من أسلحة.
والسؤال لم يعد فقط هل تسلم الفصائل سلاحها؟ بل ماذا تريد في المقابل؟ ومن يستطيع أن يضمن لها ما تريد؟
ضمانات لا يملكها أحد
يقول قيادي في “الإطار التنسيقي” لـ(المدى) إن الفصائل تريد تطمينات بأنها “لن تستهدف” أو “تلاحق” في حال تخلت عن السلاح.
لكن الزعيم الشيعي الذي بدأ الحوار، والذي تحفظ المصدر عن ذكر اسمه، لا يملك تقديم مثل هذه الضمانات.
أقصى ما يستطيع تقديمه، بحسب القيادي، هو التأكيد أن القوات الأميركية ستخرج من العراق نهائياً في 30 أيلول.
وعندها، وفق هذا المنطق، لن يبقى مبرر للاحتفاظ بالسلاح. هذا هو الموقف الذي تردده بغداد.
لكن الفصائل لا تبدو مقتنعة تماماً بأن الأميركيين سيغادرون.
ووزير الصحة والقيادي في “الإطار التنسيقي” عبد الحسين الموسوي يقترح مصارحتها بأن العراق قد يلقى مصير إيران، بحسب ما قاله في مقابلة تلفزيونية.
أما “فصائل الرفض”، التي تتراوح التقديرات بشأن عددها بين 4 و10 جماعات، فتقرأ المشهد بطريقة مختلفة.
يقول نائب سابق قريب من الفصائل لـ(المدى) إن مذكرات التفاهم قد تكون قابلة لسوء فهم بعض العبارات الواردة فيها، بما يسمح لاحقاً بأن “تنكر أميركا أنها قررت المغادرة”.
ويرى النائب أن مثل هذا السيناريو قد يكون مفيداً لرئيس الحكومة علي الزيدي، لأنه سيجنبه الاعتراف بالفشل في نزع سلاح الفصائل.
وفي المقابل، أفادت تقارير بأن واشنطن بدأت، مطلع آب الحالي، سحب قواتها من كردستان.
الحكومة تهدد بكلمة “معالجة”
وفي بغداد، لا تبدو اللغة الحكومية صاخبة، ويقول حيدر العبودي، المتحدث باسم الحكومة، إن حكومته ستقوم بـ”معالجة” الفصائل المتمردة على قرار نزع السلاح، مثل “النجباء” و”كتائب حزب الله”.
وكان محللون يتوقعون أن تصبح بغداد أكثر تشدداً كلما اقترب 30 أيلول، خصوصاً بعد إيقاف الرد الذي كان متوقعاً على السعودية، في أعقاب استعراض للقوة، بحسب الرواية الرسمية.
وكانت بغداد قد لمحت إلى احتمال اغتيال الزيدي بسبب موقفه من الفصائل.
لكن الفصائل تروي قصة أخرى، وتقول إن ما جرى في تلك الليلة لم يكن حقيقياً، وإن صوراً وفيديوهات قديمة لقطعات عسكرية أعيد استخدامها، بالتزامن مع أخبار جرى تداولها في مجموعات “واتساب”.
ويقول العبودي رواية مختلفة: إن في ليلة الرد المتوقع على السعودية، عقب قصف مواقع للحشد في الأسبوع السابق، جرى اختراق شبكة والقبض على عناصرها ومصادرة معدات كانت بحوزتهم، بينها طائرات مسيرة.
ويؤكد أن العملية كانت كبيرة، وأنها تضمنت أفراداً ومخططاً لتوجيه ضربات إلى أهداف معينة، من دون أن يكشف عنها.
وأمس، قالت وزارة الداخلية، في موقف لاحق، إن أي طائرة مسيرة تحلق دون موافقات تعامل معاملة الإرهاب هي ومطلقوها، مهما كانت انتماءاتهم.
وقبل يوم من موعد الرد المتوقع على الرياض، أعلن ائتلاف “إدارة الدولة”، الذي يضم القوى المشاركة في الحكومة، موقفاً هو الأكثر تشدداً حتى الآن.
وجاء في بيانه أن أي نشاط مسلح بعد انتهاء المهلة الحكومية في 30 أيلول 2026 سيخضع لأحكام قانون مكافحة الإرهاب.
لكن في تلك الليلة نفسها، ظهر هادي العامري في تسجيل نادر، طالباً ممن أسماهم “المقاومة الإسلامية العراقية” تأجيل الرد والذهاب إلى الحل الدبلوماسي.
وفي اليوم التالي، استقبل العامري في مكتبه قيادات من الحشد الشعبي.
كان ذلك كافياً لفتح باب التكهنات بشأن الرجل الذي قد يدير الحوار الجديد مع الفصائل.
ولم يكن اسم العامري جديداً على هذا الملف. فبحسب ما تسرب، كان جزءاً من لجنة تشكلت خلال الفترة الانتقالية بين محمد السوداني وعلي الزيدي للتحدث مع الفصائل.
وانتهت تلك المحاولة بإعلان خمسة فصائل تسليم السلاح، فيما لم يظهر عملياً سوى أتباع مقتدى الصدر وهم يسلمون السلاح.
“السلاح داعم للدولة”
بالمقابل يضع محمود الحياني، عضو منظمة بدر، المسألة من زاوية مختلفة.
ويقول لـ”المدى” إن نداء العامري بالتريث في الرد على “العدوان السعودي” على قوات الحشد، وبحسب بيان للسعودية، وإرسال وفد تفاوضي، وربما بناءً على معلومات خاطئة، كان جزءاً مهماً من قرار تأجيل العملية.
ويضيف لـ(المدى): “عملية نزع السلاح تكون عبر التفاوض والحوار وليس بالقوة، لأنهم أبناؤنا، وليس هناك استخدام للقوة. ولا ننسى فضل هؤلاء الأبطال في الدفاع عن العراق وضد الإرهاب والاحتلال”.
ويؤكد أن “هذا السلاح داعم ويقوي الدولة، ولم يستخدم هذا السلاح ولن يستخدم ضد الدولة”.
ويرى الحياني أن السلاح قد يحصل خلال الأيام المقبلة على وضع قانوني يجعله ضمن أسلحة حماية الدولة.
ويقول: “لا ننسى أن هذا السلاح يحمي الدولة والنظام السياسي”.
ويضيف أن لجنة ستتولى التفاوض، وأن الفصائل تبحث عن ضمانات تتعلق بعدم استخدام أو المساس بالأراضي العراقية، معتبراً أن هذا الأمر جزء مهم من قرار بقاء السلاح أو تسليمه.
وفي تقديره، سيكون هناك اتفاق قبل 30 أيلول.
السلاح الثقيل هو العقدة
لكن هناك سؤالاً آخر لا يقل أهمية: أي سلاح تريد الحكومة أن تسلمه الفصائل؟
يقول قيادي في “الإطار التنسيقي” إن المقصود هو “السلاح الثقيل” الذي يعمل خارج منظمة الحشد.
وحين سئل إن كانت هذه الجماعات منتمية إلى الحشد، أجاب: نعم، هي منضوية بالحشد، لكن لديها سلاح خارج الهيئة”.
لكن الفصائل تنفي امتلاكها سلاحاً ثقيلاً، ويقول مهدي الآمرلي، وهو نائب وزعيم سابق لفصيل مسلح، إن المقرات التي استهدفت من السعودية كانت تضم “أسلحة وعتاداً متوسطاً”، من دون مسيرات أو صواريخ.
لكن معلومات سابقة وصلت إلى “المدى” تفيد بأن فصائل تملك أسلحة حصلت عليها من طهران، وأن هذه الجماعات تمنع تسليمها، وتخلت فقط عن “أسلحة خردة”.
وتضم الترسانة، وفق تلك المعلومات، مئات الطائرات المسيرة إضافة إلى “8 صواريخ بالستية” كان يمكن استخدامها في الرد على السعودية.
ولا توجد معلومات حتى الآن عن مكان هذه الأسلحة، في وقت تصر واشنطن على أنها موجودة.
وبحسب محللين، تملك الفصائل 12 قاعدة في العراق، أبرزها جرف الصخر، جنوب بغداد.
النجباء و”حزب الله”: السلاح ليس للتفاوض
حتى الآن، ترفض الفصائل، علناً، تسليم السلاح، خصوصاً “النجباء” و”كتائب حزب الله”.
وذهب أكرم الكعبي، زعيم “النجباء”، في أحدث منشور له إلى التهديد باستهداف الاستثمارات الأميركية.
وقال إن استهدافها بات واجباً على “المقاومة”، باعتبارها “هدفاً أساسياً”، وإنه لن يسمح بنهب خيرات البلاد تحت أي مسمى.
وسبق أن رفض الكعبي مسار الدبلوماسية مع السعودية. وقال إن “الصاروخ يرد عليه بصاروخ”.
أما الأمين العام لكتائب حزب الله، أبو حسين الحميداوي، فأعلن رفض “فصائل المقاومة” تسليم سلاحها، بل وتطويره.
وكان الحميداوي قد دعا في وقت سابق إلى شراء السلاح من الفصائل التي تنوي تسليمه إلى السلطات.
لكن أوس الخفاجي، الذي كان يشرف على فصيل مسلح، يقول إن “هناك اتفاقاً دولياً وسياسياً عراقياً على نزع السلاح”، بحسب ما قاله لـ«المدى».
تسوية هادئة… أم ترحيل للأزمة؟
وعن الضمانات والشروط التي تبحث عنها الفصائل، تشير المصادر إلى إمكانية العودة إلى “التسوية الهادئة” التي رسمتها طهران في وقت سابق، لتكون بمثابة خارطة طريق.
الفكرة تقوم على إبقاء الفصائل بـ”زي مدني” داخل مؤسسات الدولة الحكومية والدبلوماسية والأمنية، وتقليل الأنشطة العسكرية العلنية، وتجنب الاستفزاز المباشر لواشنطن.
ويعتقد أصحاب هذا الطرح أنها قد تصبح فعالة إذا لم تتوصل طهران إلى اتفاق مع واشنطن، كما يمكن أن تكون صالحة حتى نهاية 2028، موعد مغادرة دونالد ترمب البيت الأبيض، وفق هذا التصور.
وتتحكم طهران، بحسب تحليلات، إلى حد كبير بقرارات الفصائل العراقية المرتبطة بها، أو على الأقل بمستوى التصعيد الذي يمكن أن تذهب إليه.
ويعتقد أن إيران لعبت دوراً في منع الفصائل العراقية من الرد الأخير على السعودية، في وقت عادت فيه قنوات التفاوض مع واشنطن إلى العمل.
لكن المشكلة أن واشنطن لا تبدو مستعدة لمنح الجماعات المسلحة ما تريده من مواقع حكومية.
المعركة التالية
ورفض واشنطن يدفع إلى البحث عن مواقع أخرى يمكن أن تشكل مخرجاً.
في مقدمتها رئاسة هيئة الحشد الشعبي، المنصب الذي يتجدد الصراع عليه بين فترة وأخرى.
وبدأت “العصائب” حملة ضد فالح الفياض للمرة الثانية خلال عامين، بعد مساع لاستجوابه في البرلمان.
وتحمل “العصائب” الفياض مسؤولية ما جرى في القصف السعودي لمقرات الحشد، رغم نفي الحشد لهذه الاتهامات.
وكانت “العصائب” قد طالبت الفياض، قبل عامين، بالاستقالة من منصبه.
ويقول عضو المكتب السياسي لـ”العصائب” حسين الشيحاني إن رئيس الوزراء علي الزيدي أبلغ قادة “الإطار” بتفاصيل الضربة خلال اجتماع حضره فالح الفياض وإحسان العوادي وعبد الأمير الشمري.
وبدوره، وجه النائب الأول لرئيس البرلمان عدنان فيحان، القيادي في “العصائب”، بتشكيل لجنة للتحقيق في احتمال علم الحكومة المسبق بموعد الاستهداف الأميركي السعودي وعدم اتخاذ الإجراءات اللازمة، على أن تقدم تقريرها خلال أسبوع.
وتواجه “العصائب”، بحسب معلومات خاصة لـ(المدى)، منعاً أميركياً من الحصول على وزارة العمل، إضافة إلى الاعتراض على وضع شقيق قيس الخزعلي، ليث الخزعلي، نائباً لرئيس الوزراء.
The post زعيم شيعي يقود وساطة الفرصة الأخيرة.. والفصائل: الضمانات أولاً ثم السلاح appeared first on جريدة المدى.