شبكة الحسكة الإعلامية

السيادة بالمصالح والاقتصاد المركب: رؤية عراقية لبناء القوة في عالم عدم اليقين

نشر: أغسطس 1, 2026 آخر تحديث: أغسطس 1, 2026

د. عبد الكريم كاظم عجيل

في الرابع والعشرين من شباط عام 1955 وُقِّع حلف بغداد، وسط اعتقادٍ راسخ بأن أمن العراق وسيادته يمران عبر الالتحاق بتحالف عسكري دولي. كان ذلك منطق عصرٍ كامل؛ عصرٍ تُقاس فيه القوة بعدد الحلفاء، وتُقرأ الجغرافيا بمنظار الصراع العسكري، وتُعدّ الأحلاف الضمانة الأخيرة لبقاء الدول.
لكن التاريخ سار في اتجاه آخر. انهار الحلف وتبدّلت موازين القوى، وبقي السؤال نفسه معلقاً: كيف تحمي الدولة سيادتها في عالم لا يعرف الثبات؟
الإجابة التي بدت صحيحة في منتصف القرن الماضي لم تعد كافية اليوم. فالعالم لم يعد يُدار بالتحالفات العسكرية وحدها، بل أصبح تحكمه شبكات التجارة والاستثمار والطاقة والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد والممرات الاقتصادية. ولم تعد الدولة القوية هي المنتمية إلى محور بعينه، بل الدولة التي يرتبط بها الآخرون بمصالح يصعب التخلي عنها.
ومن هذا التحول تنطلق هذه الرؤية، التي تؤسس لمفهوم “السيادة بالمصالح”، باعتباره إطاراً عراقياً جديداً في التفكير الاستراتيجي، يعيد الربط بين السيادة والاقتصاد بوصفهما مسارين متكاملين لبناء القوة الوطنية، لا مجالين منفصلين كما جرت العادة في الأدبيات السياسية التقليدية.
ولا تدّعي هذه المقاربة استبدال عناصر القوة التقليدية، بل إعادة ترتيب أولوياتها في ضوء التحولات العميقة التي يشهدها النظام الدولي.
فالسيادة بالمصالح هي قدرة الدولة على بناء شبكة متوازنة من الروابط الاقتصادية والاستراتيجية مع القوى المختلفة، بحيث ترتفع الكلفة السياسية والاقتصادية لأي محاولة لإضعافها أو زعزعة استقرارها. وعندئذٍ لا تعود السيادة محمية بالردع وحده، بل بالمصلحة أيضاً.
غير أن هذه المقاربة لا تتحقق بامتلاك الموارد وحدها، بل تحتاج إلى نموذج اقتصادي قادر على تحويل تلك الموارد إلى شبكة تشابك حقيقية، وهو ما يُعرف في هذه الرؤية بـ”الاقتصاد المركب”. ولا يُقصد به الاقتصاد المختلط ولا الاقتصاد المعقد، وإنما اقتصادٌ يقوم على تعظيم الاندماج مع الاقتصادات الإقليمية والعالمية، عبر مشروعات الطاقة والنقل والاستثمار والصناعة والتكنولوجيا وسلاسل القيمة، حتى تصبح الدولة جزءاً لا يمكن تجاوزه في حركة الاقتصاد الدولي. وحين يتحقق ذلك تتحول الجغرافيا من مصدر للتنافس إلى مصدر للشراكة، ويغدو الاقتصاد أداةً لتعزيز السيادة لا مجرد وسيلة لتحقيق النمو.
ولعل المثال التالي أقدر على إيضاح الفكرة. يمكن تشبيه الدولة بالمكعب؛ فالمكعب القائم منفرداً يسهل تحريكه أو إسقاطه، أما إذا صار جزءاً من بناء كبير تتشابك فيه عشرات المكعبات، فإن تحريك أحدها يعني التأثير في البناء كله. كذلك هو الاقتصاد المركب؛ إذ يمثل كل مشروع للطاقة أو ممر تجاري أو ميناء أو خط نقل مكعباً جديداً في هذا البناء، ومع تراكم هذه الروابط يتحول الاقتصاد من نشاط إنتاجي إلى أداة لإنتاج القوة الوطنية. ويصبح المساس بالدولة أكثر كلفة لأن أثره يمتد إلى شبكة واسعة من المصالح المتداخلة.
وإذا بدت هذه المقاربة نظرية في ظاهرها، فإن السؤال العملي الذي تطرحه هو: هل يملك العراق ما يؤهله لتطبيقها؟ والحقيقة أن مقوماته في هذا الباب ليست قليلة. فموقعه الجغرافي يتوسط أهم الممرات الإقليمية، وموارده الطبيعية تمنحه ثقلاً اقتصادياً معتبراً، وانفتاحه على الخليج وتركيا وإيران وبلاد الشام يؤهله ليكون نقطة التقاء للمشروعات الإقليمية، لا ساحةً للتنافس عليها.
ومن هذا المنطلق لا ينبغي النظر إلى طريق التنمية وتطوير الموانئ والربط الطاقوي وجذب الاستثمارات بوصفها مشروعات خدمية أو اقتصادية فحسب، بل باعتبارها أدوات استراتيجية لإعادة صياغة موقع العراق في الإقليم والعالم. فالمشروع الذي يربط اقتصاد العراق باقتصاد جواره لا ينتج عائداً مالياً فحسب، وإنما ينتج طبقة إضافية من الحماية السياسية يصعب اختراقها بالوسائل التقليدية.
وقد بدأت ملامح هذا المنطق تظهر في السلوك الخارجي للدولة العراقية في المرحلة الأخيرة، إذ اتجهت الحكومة إلى تنويع شراكاتها الدولية وبناء علاقات متوازنة مع مختلف القوى الفاعلة، انطلاقاً من قناعة بأن حماية المصالح الوطنية تقتضي توسيع دوائر التعاون لا الانحياز إلى محور واحد. غير أن قيمة هذا التوجه لا تُقاس بعدد الزيارات أو الاتفاقيات، بل بقدرته على تحويل العلاقات السياسية إلى مصالح اقتصادية مستدامة، وممرات تجارية، ومشروعات طاقة، وشراكات صناعية وتكنولوجية قادرة على الاستمرار بعد تبدّل الحكومات.
وهنا تتضح الفكرة التي يقوم عليها هذا الطرح؛ فالدول في القرن الحادي والعشرين لا تُحمى بالموقع الجغرافي وحده، ولا بالقوة العسكرية وحدها، ولا حتى بكثرة الحلفاء، وإنما بقدرتها على بناء شبكة واسعة من المصالح تجعل الإضرار بها مكلفاً للجميع. لقد كان حلف بغداد تعبيراً عن فلسفة سادت القرن العشرين، حين كانت الأحلاف العسكرية تُعدّ الطريق إلى الأمن والسيادة. أما اليوم فإن التحولات الدولية تفرض فلسفة مختلفة، تتأسس على الاقتصاد والتكنولوجيا والتكامل والتشابك الاستراتيجي.
وهذا يعني أن بناء الدولة الحديثة لم يعد يبدأ من اختيار المحور الذي تنتمي إليه، بل من بناء القيمة التي تقدمها للعالم. فالدولة التي تصبح ممراً رئيساً للتجارة، وعقدةً للطاقة، وبيئةً جاذبة للاستثمار، وشريكاً موثوقاً في التنمية، تكتسب من عناصر القوة ما قد يفوق أحياناً ما تمنحه التحالفات التقليدية. ولهذا فإن العراق ليس بحاجة إلى أن يكون جزءاً من محور ضد آخر، بقدر حاجته إلى أن يصبح نقطة التقاء للمصالح الإقليمية والدولية.
على أن هذا الطريق يبدأ من الداخل قبل الخارج. فالأولوية اليوم ليست البحث عن تحالف جديد، وإنما الشروع في إصلاح مؤسسي عميق وتنويع حقيقي لمصادر الدخل؛ ذلك أن الدولة التي لا تملك اقتصاداً متنوعاً ومؤسسات كفوءة لا تستطيع أن تكون شريكاً يُعتد به، مهما بلغت أهمية موقعها على الخريطة.
لقد انتقل العالم من عصر كانت السيادة فيه تُصان بالأحلاف، إلى عصر تُبنى فيه بالمصالح المتبادلة والاعتماد الاقتصادي. وفي عالم تتشابك فيه الاقتصادات أكثر مما تتقابل فيه الجيوش، تصبح المصالح هي اللغة الجديدة للسيادة، ويصبح اتساع شبكة الشركاء الذين يرتبط أمنهم الاقتصادي واستقرارهم باستقرار الدولة معياراً جديداً لقياس قوتها الاستراتيجية واستقلال قرارها الوطني.

The post السيادة بالمصالح والاقتصاد المركب: رؤية عراقية لبناء القوة في عالم عدم اليقين appeared first on جريدة المدى.