شبكة الحسكة الإعلامية

فخري كريم في شهادة من قلب التحولات يروي: سيرة عراق لم ينج من جلاديه.. ولا من منقذيه!

نشر: أغسطس 19, 2026 آخر تحديث: أغسطس 20, 2026

حاوره: ياسر السالم
الجزء الثاني
وقف بول بريمر ذات مرة أمام صورة معلقة خلف مكتب مسعود بارزاني، فسأل: من هذا؟ لم يكن يعرف أنها صورة الملا مصطفى البارزاني، المعروف بين الاوساط السياسية حتى في الولايات المتحدة الامريكية ووسائل اعلامها. هذه الحادثة، التي أوردها فخري كريم في الجزء السابق من شهادته، يرويها بوصفها الدليل الحسي الأول على حكمه في قراءة المشروع الأمريكي كله في العراق: أن القوة التي أسقطت النظام لم تكن تعرف البلد الذي احتلته، ولم تكن تحمل تصورا لما بعد احتلاله.
يقولها بلا مواربة: «جاءت الولايات المتحدة، كما يتضح الآن، بدون أي مشروع، سوى تحقيق ما سمي بالفوضى الخلاقة». ويمضي في تفكيك المصطلح: «ولم يكن خلاقا في تلك العملية غير الفوضى نفسها بكل تجلياتها الكريهة.. نهب وسلب، جريمة منظمة واعتداءات، اقتحام بيوت وسرقة بنوك واختطاف، وكأنك تشاهد فيلم جريمة هوليوديا».
ويرتبط مفهوم “الفوضى الخلاقة” في النقاش العربي ارتباطا وثيقا بغزو العراق عام 2003، لكن العلاقة بينه وبين “تحرير العراق” أكثر تعقيدا مما يشاع، لأنهما لم يكونا مصطلحين متطابقين في الخطاب الأمريكي.
فالفجوة بين الوعد والتنفيذ هي بيت القصيد هنا. حيث تعد نظرية «الفوضى الخلاقة»، بتفكيك بنى قائمة لإفساح المجال أمام ترتيبات جديدة. أما شهادة كريم فتشهد على أن التنفيذ جرد النظرية من شطرها الثاني كاملا، فلم يتحقق من «الخلق» الموعود شيء، ولم يبق منها إلا «الفوضى» وحدها، غاية لا وسيلة!
وبحسب كريم، فإن قلب التوصيف سبقه انقلاب في الميدان وعلى الأرض. فالبيت الأبيض – ويحيل هنا إلى ما كتبه بول بريمر وخليل زاد في مذكراتهما – غير وجهة نظره في التعامل مع الوضع العراقي الناشئ بناء على وقائع عديدة، «أخذوا قرارا بتحويل شعار التحرير إلى الاحتلال»، وجرى إرسال بريمر ليكون على رأس إدارة العراق في ظل الاحتلال.
ويقرأ كريم تعاقب الحاكمين (غارنر وبريمر) بوصفه دليلا على الارتجال وغياب الخطة: «الأول كانت لديه تجربة في كردستان، وبعد أسابيع غيروه وجاؤوا ببريمر، الذي لا علاقة له بالعراق ولا بالوضع العراقي إطلاقا».
ويعمم الحكم على الجهاز الدبلوماسي للولايات المتحدة الأمريكية كله، بلغة لا تخفف منه: «سفراؤهم الذين جاؤوا إلى بغداد، لا يعرفون شيئا عن العراق والمجتمع العراقي».
والنتيجة عنده أنهم «ظلوا يتعثرون في المواقف وفي السياسات وفي القرارات، دون أن يعرفوا ماذا يعني هذا للعراقيين، وكيف يمكن أن يتعاملوا معه كردود أفعال».
وهذا الجهل لا يقرره حكما عاما، حيث يمهد له بسلسلة أسئلة يطرحها ولا يجيب عن واحد منها، لأن غياب الجواب فيها هو صلب حجته: من هو هذا المجتمع العراقي الذي توجهوا إليه؟ ما تكويناته؟ ما متطلباته؟ كيف يمكن أن يؤسس لوضع جديد فيه؟ – كل هذه، كما يقرر، لم يكن ثمة جواب عليها عندهم. ثم يدلل على طرحه بمثال واحد صغير يراه كافيا بذاته: طريقة تعامل الجنود الأمريكيين مع النساء عند نقاط التفتيش وما تنطوي عليه من استفزاز، لجهل بالأعراف التي يقتضيها التعامل مع النساء، وهو ما ادى إلى في حالة منها جرت في المنطقة الغربية، إلى رد فعل عاصف.
كما يتوقف كريم عند الوجه الأمني الاخر للاحتلال. «فالأسلوب الذي تعاملت به القوات الأمريكية مع العراقيين خطير، أرتال تحمل لافتة (انتبه، إذا اقتربت ستتلقى الرصاص) او شيء من هذا القبيل».
ولم يكن التحذير حبرا على لافتة؛ «كانوا حين يرون أي عائق، سيارة أو غيرها، يدوسونها ويمضون». ويشير إلى أنه كتب في تلك الأيام أكثر من مقال افتتاحي في صحيفة «المدى» عن تلك الاستباحات.
ويتسع أفق رؤية فخري كريم من العراق إلى المنطقة كلها. فالمشروع المعلن كان ادعاء، بحسب روايته، بـ«نشر الديمقراطية» بدءا من «تحرير العراق»، كهدف مباشر وتمهيد لأهداف الأخرى؛ سوريا والاردن وغيرها، حتى دول الخليج والمملكة العربية السعودية لم تكن استثناءً.. «اي بمثابة عاصفة تريد تغيير المنطقة كلها».
وما نتج عن ذلك اثارة قلق عم المنطقة بكاملها، وتحول العراق – بتعبيره – إلى «فزاعة لكل الأنظمة العربية». وكان من النتائج المباشرة لذلك، تكريس الانقسام، واستهداف الوضع الجديد الناشئ في العراق، الذي اعتبر كبؤرة تهديد للمنطقة كلها.
وبحسب كريم، أعيد تأويل الحملة في الفضاء العربي بوصفها استهدافا لحكم «السنة»، فجرى تحريض العالم العربي «السني» من قبل أوساط ليست متعاطفة أصلا مع إسقاط نظام صدام حسين. ويستخدم كريم وصف «السني» هنا مضطرا، ومعتذرا عن اللجوء إليه، وهو ينقل كما قيل آنذاك خطابا طائفيا حمل تعريضا سافرا بالعراقيين «الشيعة»، وصولا إلى نزع عراقيتهم ووطنيتهم عنهم، معلنين: أن «هؤلاء ليسوا عراقيين، ليسوا وطنيين، بل فرس مجوس، ولا يمكن أن يحكموا العراق، وأنهم عملاء إيران»».
وإزاء هذا التخوين المعمم، اصطف غالبية «العراقيين الشيعة»، بمختلف مشاربهم واتجاهاتهم، عشية انتخابات 2005 والاستفتاء على الدستور، خلف قائمة واحدة هي قائمة الائتلاف العراقي الموحد (رقم 169)، في انتخابات الجمعية الوطنية الانتقالية عام 2005، وخلف نفس الائتلاف ولكن برقم انتخابي جديد (555) في الانتخابات البرلمانية الاولى، في رد فعل هوياتي مباشر على اتهام يطعن في وطنيتهم أصلا. وهنا، كما يرى كريم، تكرّس الانقسام الطائفي، وتمهد لما اقترب لاحقا من حرب أهلية.
وبهذا يكشف كريم أن هذه الفوضى لم تبق عشوائية، لانها تحولت إلى بنية حاكمة للوضع كله.
فالجيش والشرطة أعيد تشكيلهما «على خرائب» المؤسسة الأمنية السابقة، وجرى الاعتماد على رجال النظام القديم: ضباط الأمن والمخابرات الذين لم تطلهم محاسبة ولم تتناولهم عدالة انتقالية. فأعيد بعضهم إلى المواقع ذاتها بمسميات جديدة، وتشكلت منهم ومن حولهم عصابات الخطف والقتل التي ستحكم شوارع بغداد في السنوات التالية. هكذا امتلأ الفراغ الأمني من أعلى، برجال النظام القديم أنفسهم؛ أما من ملأه من أسفل، في الشارع نفسه، فتلك شهادة أخرى يرويها كريم.
مشاهد الفراغ الأمني: ساعة انهيار الدولة
بعد أيام قليلة من سقوط النظام خرج فخري كريم يتجول في شوارع بغداد. وأول ما استوقفه لم يكن شيئا رآه، وإنما شيء لم يجده: «لم أكن ألاقي شرطي مرور ولا غيره من عناصر الأمن».
وتحت جسر يربط ضفتي النهر وجانبي بغداد – الكرخ والرصافة – كانت دبابات مهجورة، وعليها وإلى جانبها أكياس، وملابس جنود ملقاة حيث خلعت.
والدبابة المتروكة تعني هزيمة في معركة، وتعني الملابس العسكرية المخلوعة أن الجنود انسلخوا: خلعوا الزي في الشارع ومضوا، فلم يعد ثمة جيش ينسحب من موقع إلى موقع.
وفي الأيام التي تلت التاسع من نيسان، يقول كريم: «ظلت الأسلحة فترة طويلة في المحلات، وفي مخابئ ومستودعات تحت منازل المواطنين او الى جوارها. ثم يضيف: «كان السلاح متروكا في الاحياء السكنية بين السكان، دون ان تستجيب سلطات الاحتلال لمطالبة المواطنين بتنظيف مناطقهم منه، ونقله إلى امكان بعيدة عن المناطق المأهولة».
كان هذا الموقف ادانة صريحة لقيادات الاحتلال والإدارة المدنية لها ودليلاّ على رغبتها المبيتة لجعل السلاح نهب القوى التي تحولت الى قاعدة للفوضى والعصابات الاجرامية المنفلتة والقوى الارهابية التي أعلنت النفير العام ضد التغيير والوضع الجديد تحت مسمى «المقاومة».
وهكذا انتقل السلاح في تلك الأيام من عهدة الدولة إلى داخل البيوت. ومن أراد بعد ذلك أن يجمع السلاح كان عليه أن يدخل البيوت ويفتشها. من هناك. كما يؤشر كريم، نشأت المعضلة الأكبر التي ستبقى قائمة بعد عشرين سنة: أن يصبح جمع السلاح شعارا يرفع ولا يُنفذ.
ويستذكر فخري كريم كيف قامت أسواق السلاح في أحياء بغداد والمدن الأخرى.
في بغداد الجديدة مثلا، وهو أحد أحياء بغداد الشعبية، قامت «سوق كاملة» تبيع «أنواع الأسلحة، بما في ذلك صواريخ». ويعيد الكلمة مرتين كأنه يستوثق من أنها سمعت.
ويصف كيف كانت تجري الصفقة، فإذا هي أشبه بشراء سلعة في سوق نظامي له أعرافه: «تذهب وتسأل عما يعجبك – مسدس او صاروخ أو غيره – يقول لك البائع: جربه إن أردت»، «تجرب الرشاشة وتجرب المسدس.. مسدسات جديدة؛ هذا الذي بألفي دولار.. تشتريه بمئة دولار». ولتلك الاسعار دلالة تحملها. فالسعر في أي سوق مقياس للندرة، وحين يهبط ثمن قطعة من ألفي دولار إلى مئة فإن ذلك يقول إن السلاح صار موجودا بكميات كبيرة.
غير أن هذا الفراغ نفسه ملأه السكان المحليون: أطفال وفتية، وبينهم كبار، «يقفون في منتصف الشارع» يؤدون مهمة شرطة المرور – يوقفون سيارة ويُسيّرون أخرى، «وبعضهم كان يفعلها تسلية». ثم اتسع هذا الفعل التلقائي من التقاطعات إلى الأحياء؛ فيسجل كريم أن الناس في المحلات السكنية، بعدما تفاقم النهب، صاروا يحتمون من «الغزوات» بـ«التضافر في حماية مناطقهم وبيوتهم».
ومن مشاهد الفراغ هذه، يعود كريم إلى التشخيص الذي ثبته في الجزء السابق من شهادته، بأن «ما انهار في نيسان لم يكن نظاما فحسب.. كانت دولة بأكملها». ويستعير مثلا من لعبة الشطرنج، فحين يسقط الملك تنتهي اللعبة بأكملها.
«الحواسم».. تأسيس بنية الفساد
الفراغ الأمني وسوق السلاح لم يكونا إلا الوجه الأول لما حل بالبلد، أما وجهه الثاني، الملازم له، فكان النهب والفساد.
فحين تنسحب الدولة من الشارع دفعة واحدة، لا يبقى ما يحمي المال العام ولا الخاص، فتقوم على أنقاض غيابها اقتصادات جديدة كلها، أغربها مشهد لا سلاح فيه ولا دم استوقف فخري كريم بين ما استوقفه.
رجل يجلس على رصيف في شوارع بغداد، أمامه طاولة وعليها أوراق نقدية ممزقة، يأخذ نصفا ونصفا فيصلهما ويرقعهما، ثم يعيد الورقة إلى صاحبها لتعود إلى تداول السوق.
هذا المشهد هو من «المشاهد التي أذهلتني»، كما يقول، ويصفه بتفصيل يكشف اقتصاده الصغير كله: «حرفة جديدة» لم تكن موجودة من قبل، «ولدت لأن الدولة التي تصدر النقد وتسحب تالفه لم تعد موجودة». حرفة تقوم مقام البنك المركزي على الرصيف!
ويلاحظ كريم أن الظاهرة ليست وليدة 2003 وحدها، فقد ظهرت كذلك بعد انتفاضة آذار 1991، في كردستان بصورة خاصة.
وما جرى للورقة النقدية جرى لسائر أشكال الملكية. فقد صار في تلك الأيام صنف من الممتلكات يتداوله الناس كانت تسمى (توز وبا)بلا رقم يسجل ولا سند يبرز: «سيارات، أجهزة»، يجمعها وصف واحد هو أنها بلا رقم. اقتصاد كامل بدأ يعمل خارج التوثيق، ونشأ عرف «من يحوز يملك».
على هذه الأرض التي تغيب عنها الدولة، قامت الموجة التي عرفها العراقيون بـ«الحواسم» – الاسم الذي كان النظام السابق نفسه قد أطلقه على معركته الأخيرة، يريد به الحسم لصالحه. فما إن سقطت بغداد في 9 نيسان/أبريل 2003 حتى انقلب معنى الكلمة انقلابا كاملا في الوعي الشعبي: من حسم موعود للنظام، إلى حسم واقع عليه وعلى الناس معا. فصار اسم «الحواسم» مرادفا لعمليات السلب والنهب التي رافقت انهيار مؤسسات الدولة، ثم تطور ليصف البضائع المنهوبة والأشخاص الذين شاركوا في تلك العملية.
يستعمل كريم الاسم كما تداوله العراقيون، ويصف ما تحته بثلاث كلمات: «النهب والسلب والاستباحة». ثم يستحضر ما رآه بعينه: «ناس يحملون الأرائك»، و«بنوك تنهب». ويسجل أسفه على ما رأى، من غير أن يقف عند حدود الأسف؛ ففي صورة «البنوك تنهب» تحديدا ينقلب ترتيب الرواية المألوفة رأسا على عقب، فالنهب لم يبدأ من الأسفل ليصعد، وإنما بدأ من الأعلى ليهبط.
ويشدد كريم في شهادته على أن موجة الاستيلاء على الممتلكات العامة، ما كانت تلقائية كما بدت. فما جرى في الشارع «ترافق أيضا مع وصايا صدام حسين للبعثيين ولأزلامه في النظام، أن يستولوا على كل ما يستطيعون من ممتلكات الدولة – سيارات وأموال وغيرها». ثم يمضي إلى رأس الهرم فيقرر ما يصفه بأنه معروف: أن صدام وعائلته «نهبوا ما نهبوا.. من المصارف والبنك المركزي». وبهذا أعلن النظام المباد، بأوضح إعلان، أن «الدولة لم تكن في وعيه يوما شيئا غير غنيمة في يده».
ثم يأتي الطرف الثاني في المعادلة؛ فما جرى، بحسب شهادته، لم يقع رغما عن قوات الاحتلال. حيث يعدد كريم شواهده: «السماح بالسطو على البنوك، وعلى مباني الوزارات، وعلى الأملاك الشخصية»، ويحدد أمام من جرى: «أمام مرأى القوات الأمريكية والمسؤولين الأمريكيين، وهم يضحكون». ويصف الموقف في موضع آخر بأنه «تواطؤ ضمني» من القوات الأمريكية، ويذهب أبعد حين يقول إن سلوكهم كان «أحيانا يوحي بأن القيادات الأمريكية العسكرية الميدانية كانت تشجع هذه المظاهر».
ثم يصل إلى الرواية التي غلفت هذا كله وقدمته للعالم. يقول إن الصحافة كانت تبرر ما يجري بأنه «انتقام الشعب العراقي» من النظام السابق، وإن وسائل الإعلام الأمريكية والأوروبية رددت هذا القول.
غير أن كريم يكشف أن أثر هذا التعميم، كان نقيض ظاهره: «حولوا العراقيين إلى نهابين ولصوص». ويستعيد الصور التي بثت وصنعت هذا الأثر، بدقة من رآها بأم عينه: «واحد يحمل كرسيا على رأسه، أو يحمل طاولة هو وآخر، أو يحمل جهازا». وبهذه اللقطات، كما يقول، عرض العراقيون «باعتبارهم سراقا، قطاع طرق، لصوصا».
والرواية التي بدت متعاطفة كانت تفعل شيئين في آن واحد، تلبس النهب صفة الانتقام الشعبي فيرتفع عنه طلب الحساب، وتلصق الصفة بشعب بأكمله فيسقط البحث عن فاعل بعينه؛ ومن نسب الفعل إلى الشعب كله لم يعد ثمة من يسأل عنه.
وهنا يقلب كريم الصورة ويقدم حكمه بلا تحفظ: «اللصوص الأساسيون – أنا أستطيع أن أقول هذا جازما – اللصوص الحقيقيون الذين سرقوا البنوك والذين شكلوا الحواسم، هم العناصر الأساسية للنظام السابق، ومن أطلق صدام سراحهم من السجون والمعتقلات الذين كانوا يعرفون كل المداخل». ثم يسوق ثلاثة أسئلة لا يجيب عن واحد منها، لأن الجواب متضمن فيها:
«البنوك – من الذي سرقها؟ من يعرف اقفال البنوك؟»
«من يعرف ما في الوزارات؟»
«من يعرف البيوتات؟ بيوتات المسؤولين، وبيوتات العوائل الحاكمة؟»
والأسئلة الثلاثة تفصل بين نوعين من الفعل جرى الخلط بينهما. فالرجل الذي حمل كرسيا على رأسه أخذ ما رآه أمامه في مبنى مفتوح، بلا تخطيط ولا معرفة سابقة، وما أخذه يحمل على رأس واحد. أما اقتحام مصرف فيقتضي معرفة بأي المصارف فيه ما يؤخذ، وبمواقع خزائنه؛ واقتحام وزارة يقتضي معرفة بأي غرفة فيها أرشيفها وأيها عهدتها؛ وبلوغ بيوت المسؤولين يقتضي معرفة بعناوينها التي لا تلتقط من الشارع، وإنما تحفظ في سجلات أجهزة كانت قريبة من أصحابها. وهذه المعرفة بأنواعها الثلاثة لم تكن في متناول أحد إلا من كان مقربا من النظام، عاملا في أجهزته. فمن ظهروا في الصورة أخذوا الأثاث والأجهزة، ومن لم يظهروا فيها أخذوا ما في الخزائن.
وهذه المعرفة الثلاثية نفسها – بأقفال المصارف، وبأرشيف الوزارات، وبعناوين البيوت – هي خريطة الدولة العميقة الناجية من السقوط. فمن عرف هذه الأسرار لم يكتسبها بعد نيسان 2003، وإنما ورثها من موقعه في جهاز النظام السابق؛ وهو الموقع نفسه الذي أعاد النظام الجديد كثيرا من أصحابه إليه بمسميات مختلفة، كما تقدم.
ثم يمضي كريم مما «شكلوا الحواسم» إلى ما آلت إليه هذه «التشكيلات» بعد أسابيعها الأولى؛ فما بدأ نهبا للمباني المفتوحة انتقل إلى نهب الناس أنفسهم. ويصف كيف اقتسمت عصابات الخطف الأدوار في ما بينها اقتسام عمل منظم: «واحد يتابع، وواحد يراقب، وواحد يدل، وواحد يبيع الضحية». وما بدا في الأسابيع الأولى فلتانا عشوائيا كان يتحول في الظل إلى اقتصاد جريمة منظم يملك بنيته الخاصة. فالفوضى، إذا دامت، لا تبقى فوضى.. تنتظم من داخلها!
على أن «الحواسم» التي كانت تشاهد في الشارع وفي الهواء الطلق، كانت تلقن في الوقت نفسه في غرفة مغلقة.
يقول كريم إن أول خطوة قام بها بريمر مع تشكيل الوزارة الأولى أنه «وزع مليون دولار على كل وزير. في أكياس، وبلا ميزانية بعد، ليكون المبلغ تحت تصرف الوزير كميزانية أولية يسير بها شؤون وزارته». وقيمة المليون دولار تبدو زهيدة بمقياس ما سينهب لاحقا من موازنات الدولة. غير أن ما لا يقاس بالمبلغ يقاس بالسابقة!
فحين يسلم مبلغ إلى مسؤول بلا سند ولا توقيع ولا آلية محاسبة، لا يمنح المسؤول مجرد مال، وإنما يمنح تعريفا جديدا لموقعه: أن ما يمر بيده يخصه ما دام لا أحد يسأل عنه!
وهكذا نشأت منظومة فساد هي الأكبر في التاريخ الحديث: من ورقة نقدية ممزقة ترقع على الرصيف لأن الدولة التي تضمنها غابت، وصولا إلى مليون دولار يسلم في كيس لأن الدولة التي تقيده في سجلاتها لم تولد بعد، إلى منظومات النهب التي صارت تعرف بـ«الاقتصاديات الحزبية».
ولهذا يرفض كريم أن يقرأ ما جرى بوصفه فوضى أسابيع انقضت. يقول صراحة إن كل ما انتهى إليه العراق الحالي «من السلاح المنفلت، إلى الجريمة المنظمة، إلى الفساد والنهب.. تأسس في تلك المرحلة، بمساهمة ودعم القوات الاميركية وادارة بريمر شخصيا».
وحين ينتقل إلى الحاضر يصف النتيجة بلغة لا تحتمل التأويل. يتحدث عن «الفساد المتصاهر مع السلطة والطبقة الحاكمة»، وعن «نخبة الفاسدين، نخبة لصوص المال العام، نخبة نهابي الدولة ومشوهي السلطة»، الذين «أصبحوا في المواقع الأولى للقرار السياسي». ويشير إلى ان التحول في الثروات لا يفسره غير هذا المسار، فـ «اولئك الذين لم يكونوا يملكون شروى نعل.. يملكون الان مليارات الدولارات»!

The post فخري كريم في شهادة من قلب التحولات يروي: سيرة عراق لم ينج من جلاديه.. ولا من منقذيه! appeared first on جريدة المدى.