في اليوم العالمي لحرية الصحافة: صحافة سوريا بين إرث الاندثار وهيمنة البنادق المسيسة
بقلم Jarir

بقلم: جرير مروان مراد – شبكة الحسكة الإعلامية
في الثالث من أيار من كل عام، يقف العالم أمام مناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة بوصفها محطة للدفاع عن الكلمة الحرة، ومراجعة واقع الإعلام، وتذكير الحكومات والسلطات والقوى المتحكمة بأن الصحافة ليست امتيازاً تمنحه البنادق ولا منبراً يوزع بحسب الولاءات، بل حق أصيل من حقوق الشعوب، وصوت لا تكتمل الحقيقة من دونه. غير أن الصحفي السوري، حين تمر عليه هذه المناسبة، لا يجد نفسه أمام احتفال مهني عابر، بل أمام جرح مفتوح، وذاكرة مثقلة بالفقد والخذلان والتهميش، ومهنة دفعت ثمناً باهظاً بين رصاص الاستبداد، وفوضى السلاح، وسطوة الفصائل، وخراب المؤسسات، وأسواق الاصطفاف السياسي التي حوّلت الكلمة إلى سلعة، والمنبر إلى غنيمة.
لم تكن الصحافة السورية الحرة مجرد مهنة عادية خلال السنوات الماضية، بل كانت شاهداً حياً على واحدة من أقسى المراحل في تاريخ البلاد. كان الصحفي السوري يركض بين القصف والنزوح والحصار والتهجير، يحمل كاميرته أو قلمه أو صوته، ويحاول أن يثبت للعالم أن هناك شعباً يُقتل، ومدناً تُمحى، وذاكرةً تُطمر تحت الركام. لكن هذا الصحفي نفسه، الذي كان في لحظة ما عين الناس ولسان المقهورين، وجد نفسه لاحقاً وحيداً، متروكاً على قارعة النسيان، بعد أن انتهت الحاجة السياسية إلى صوته، وبعد أن جرى استبدال أصحاب التجربة والمعاناة بأصوات جاهزة، مصنوعة، وموجهة، لا ترى من الحقيقة إلا ما تسمح به الجهة التي تمولها أو تحميها أو ترفعها إلى الواجهة.
ومنذ اللحظات التي بدأت فيها مدن سورية كثيرة تفقد صوتها الحر، وحين تحولت حمص، تلك المدينة التي كانت رمزاً للصمود والصوت العالي، إلى محطة موجعة في ذاكرة السوريين عام 2012 وما تلاها من انهيارات وإجلاءات وتفاهمات قسرية، بدأ الصحفي السوري الحر يشعر أن معركته لم تعد فقط مع القصف أو الاعتقال أو الحصار، بل مع مرحلة كاملة من الإقصاء المنظم. بدأت البهدلة الحقيقية حين صار من نقلوا الوجع بلا حماية، ومن كشفوا الحقيقة بلا سند، مجرد أرقام منسية في المنافي والمخيمات والبيوت المستأجرة، يطاردهم الفقر، وتكسرهم الحاجة، وتنهشهم الغربة، بينما يتصدر المشهد من لم يعرفوا ثمن الكلمة ولا تكلفة الوقوف في وجه الموت.
لم يكن الاندثار الذي أصاب الصحافة السورية الحرة اندثاراً مهنياً فقط، بل كان اندثاراً أخلاقياً في بنية المشهد العام. لقد دُفع كثير من الصحفيين إلى حافة العيش، لا لشيء إلا لأنهم رفضوا أن يكونوا أبواقاً. كثيرون ممن حملوا الكاميرا في أصعب اللحظات صاروا اليوم بلا مؤسسات تحتضنهم، وبلا ضمانات تحميهم، وبلا اعتراف يليق بما قدموه. وبعضهم عاش تهديداً مضاعفاً، لا يطال شخصه فقط، بل يصل إلى أهله وذويه وبيئته، وكأن المطلوب لم يكن إسكات الصحفي وحده، بل كسر روحه من الداخل، وإجباره على الاختيار بين الحقيقة وسلامة عائلته، بين القلم والخوف، بين الموقف والنجاة.
وفي الحسكة، كما في غيرها من المناطق السورية التي أنهكتها خرائط النفوذ وتوزيع السلطات بقوة الأمر الواقع، يبدو المشهد الإعلامي شديد القسوة والالتباس. فالإعلام لم يعد، في كثير من الحالات، مساحة مفتوحة للخبرة والمهنية والشجاعة، بل صار ساحة محكومة بالتوازنات الضيقة والاصطفافات السياسية والولاءات المسلحة. هناك إعلاميون حقيقيون، أصحاب تجربة طويلة ومعرفة ميدانية، أُبعدوا عن الواجهة لأنهم لا يجيدون التصفيق، ولا يقبلون أن تتحول المهنة إلى خدمة علاقات عامة لهذا الطرف أو ذاك. وفي المقابل، جرى تلميع وجوه لا تمتلك من الإعلام إلا قربها من مراكز القوة، أو استعدادها لترديد ما يُطلب منها بلا سؤال ولا مراجعة ولا ضمير مهني.
إن أخطر ما يواجه الصحافة في مناطق النفوذ المغلقة ليس غياب المؤسسات فقط، بل احتكار الحقيقة. وحين تحتكر قوة مسلحة أو جهة سياسية أو جهاز أمني حق الكلام، يصبح الإعلام مجرد نسخة أخرى من الحاجز العسكري، يفتش الأفكار قبل عبورها، ويمنع الرواية الحرة من الوصول إلى الناس. وفي مناطق سيطرة قسد، كما في مناطق أخرى خضعت لسلطات الأمر الواقع، نشأت بيئة إعلامية تخنق المختلف، وتتعامل مع الصحفي المستقل بوصفه خطراً لا شريكاً في كشف الحقيقة. ومن لا ينسجم مع الخطاب الرسمي أو شبه الرسمي يجد الأبواب مغلقة، والتراخيص معطلة، والحركة مقيدة، وكأن العمل الصحفي جريمة ما لم يكن مسبوقاً بالولاء.
هذه ليست حرية صحافة، بل إدارة إعلامية مسلحة. وليست مهنية، بل هندسة للرأي العام تحت الضغط. فالصحافة التي لا تستطيع مساءلة القوة القائمة على الأرض، ولا تستطيع الدخول إلى المناطق، ولا تستطيع الاستماع إلى الناس دون خوف، ولا تستطيع نشر ما تراه بعينها، هي صحافة منزوعة الروح. وما يُنتج في ظل هذه الشروط ليس إعلاماً حراً، بل خطاب سلطة، مهما تغيّرت الشعارات، ومهما تلونت اللافتات، ومهما حاول أصحابه تزيينه بلغة المدنية أو الديمقراطية أو الإدارة الذاتية أو الثورة أو المعارضة أو حماية المجتمع.
في اليوم العالمي لحرية الصحافة، لا يكفي أن نرفع الشعارات. لا يكفي أن نكتب عبارات جميلة عن حرية التعبير، بينما الصحفي الحقيقي يُحاصر، ويُفقَر، ويُهمّش، ويُستبدل بآخرين أكثر طاعة وأقل كفاءة. لا معنى لأي حديث عن الانفتاح إذا بقيت المنابر حكراً على من يملك السلاح أو المال أو الغطاء السياسي. ولا معنى لأي خطاب عن المساءلة إذا كان الفساد الإعلامي نفسه خارج المحاسبة، وإذا كان المتسلقون على أكتاف الدم والتهجير والمعتقلين والشهداء يتحولون إلى وجوه إعلامية مصطنعة، بينما يُدفع أصحاب الكلمة الصادقة إلى الصمت القسري أو الهجرة أو الانكسار.
إن العهد الجديد الذي نحتاجه لا يبدأ من المؤتمرات ولا من البيانات الباردة، بل من الاعتراف أولاً بأن الصحافة السورية الحرة تعرضت لخيانة عميقة. خذلتها السلطات، وخذلتها المؤسسات، وخذلتها قوى سياسية رفعت شعار الحرية ثم ضاقت ذرعاً بأول سؤال مهني. نحتاج إلى إعلام لا يخاف من السؤال، ولا يتسول مكانه على أبواب الفصائل، ولا يبيع ذاكرته في سوق التمويل، ولا يحوّل دماء السوريين إلى مادة ترويجية لمشروع سياسي عابر. نحتاج إلى صحافة تقف مع الناس لا فوقهم، وتراقب السلطة لا تتبعها، وتكشف الحقيقة لا تعيد تغليف الكذب.
ستبقى الصحافة السورية الحرة حية ما دام هناك من يرفض تحويل الكلمة إلى بضاعة، ومن يؤمن أن القلم لا يقل شرفاً عن أي سلاح حمله السوريون دفاعاً عن كرامتهم. ستبقى حية بجهود من تبقى من الشرفاء، أولئك الذين لم يبدلوا موقفهم، ولم يساوموا على وجع الناس، ولم يقبلوا أن يكونوا شهود زور في زمن كثرت فيه الأقنعة. وفي هذا اليوم، لا نحتفل بحرية الصحافة كما يحتفل العالم، بل نطالب بها كحق مسلوب، ونرفع الصوت في وجه كل من صادر الحقيقة، أياً كان اسمه أو رايته أو بندقيته. فالصحافة ليست ملكاً للميليشيات، ولا للسلطات، ولا للواجهات المصنوعة في غرف الولاء، بل هي ملك للناس، وللحقيقة، ولأولئك الذين ما زالوا يؤمنون أن الكلمة الحرة هي آخر ما تبقى للسوري حين تُسلب منه الأرض والبيت والأمان.
